من دفتر الوطن

صور نازلة من السماء

| حسن م. يوسف

منذ إعلان الولادة الرسمية للتلفزيون في 27 كانون الثاني عام 1926، حرصت الحكومات والجهات المالكة لأقنية التلفزيون على إدارة هذا الجهاز الإعلامي الخطير بأسلوب يرضي الجمهور والحكومات، من خلال التناوب بين البرامج السياسية ومواد التسلية والترفيه وفق نسب معينة مرضية للطرفين. ومع تطور التلفزيون وجمهوره، تطورت هذه العلاقة من حيث الشكل، لكن علاقة الشاشة الصغيرة بجمهورها ظلت على حالها، من حيث الجوهر، فالجهات الوصائية على التلفزيون ظلت تقدم للجمهور ما يريد، مقابل أن يستمر في مشاهدة ما تريد. لكن ثورة الاتصالات وتكنالوجيا المعلومات، نقلت جهاز التحكم من يد الجهات الوصائية إلى يد المشاهد، بحيث بات قادراً على إدارة وقته بنفسه. وهذا الانزياح الخطير في طبيعة الإعلام، لم ينعكس على المشاهدين في بيوتهم وحسب بل انعكس على أقنية التلفزيون أيضاً، من حيث طبيعتها وشكل أدائها، إذ بدأت تظهر أقنية تخصصية تغطي كل اهتمامات الناس من الطبخ إلى الإفتاء.
صحيح أن الفورة التلفزيونية ظاهرة عالمية، لكنها في منطقتنا تتشبه بنا وتنسج على منوال فوضانا، فالأقنية الفضائية العربية وفق إحصائية عام 2015 بلغت 1230 قناة، حصة السعودية منها 117 قناة! وهي في أحسن أحوالها، مال ضائع في الهواء، وفكر يشد الأمة إلى الوراء!
تعلمون أنه حتى في البلدان التي تقدس المال يتم وضع حد فاصل بين العمل الدرامي والإعلان ويتم عرض الثاني وفق نسبة محددة يتم التقيد بها بشكل صارم. لكن الصورة النازلة علينا من السماء بدأت تأخذ أبعاداً منفلتة كحريق في يوم حار، فقد ظهرت أقنية تلفزيونية تجارية تبث مجموعة رسائل في آن معاً تتجاوز عدد أصابع اليد الواحدة: أغنية في الخلفية وصورة فوتوغرافية، وثلاثة أو أربعة أشرطة متحركة، واحد للأخبار وآخر للأبراج وثالث لرسائل المشاهدين!
وقد انتقلت هذه الآفة إلى جل المحطات الفضائية بما في ذلك الأكثر رصانة منها، بل إنها انتقلت للأقنية المتخصصة بعرض الدراما!
ففي الوقت الذي يحاول فيه مبدعو اللحظة الدرامية في مسلسل ما أقصى جهدهم كي يتمكنوا من خداع حواس المتفرج وإيهامه بأن ما يراه ويسمعه ليس إلا شريحة أو صوراً متقطعة من الحياة وفق تعريف أرسطو للدراما، نجد أن القناة التلفزيونية تقوم في نفس اللحظة بعرض شريط إخباري متحرك أسفل الشاشة! وهذا الشريط الإخباري غالباً ما يكون محتواه غير منسجم عاطفياً مع طبيعة اللحظة الدرامية التي يجسدها العمل الدرامي! وأسوأ من كل هذا أن يقفز لك من أسفل الشاشة إعلان تجاري بذيء يجسد الدمامة والصخب وقلة الذوق!
المقلق في الأمر أن هذه الجائحة القبيحة بدأت تستفحل حتى في الأقنية المتخصصة بالدراما! وهذا يضع الدراما السورية بين خطرين جديين يشوشان عليها ويهددان مقدرتها على الإقناع والتأثير، الخطر الأول ينبع من داخلها ويتجلى في العمليات (التجميلية)! التي يجريها نجومنا من الجنسين! والخطر الثاني يتجلى في الأشرطة الإخبارية التي تشوش على اللحظة الدرامية وتحولها إلى ما يشبه غسل الموتى، طاسة باردة طاسة ساخنة!
في سبعينات القرن الماضي اشترت ألمانيا الديمقراطية فيلماً للمخرج الإيطالي بيير باولو بازوليني (1922 -1975) وقامت بدبلجته إلى الألمانية، فرفع عليهم دعوى بحجة (تشويه عمل فني) وأوقف عرض الفيلم! والحق أن أعمالنا الدرامية تنزل علينا من السماء ممزوجة بمواد قبيحة لا تشوهها وتمسخها وحسب، بل تحد من تأثيرها وتحولها إلى مجرد حكايات تروى في زحام سوق الخضر، مما يرسخ شرها ويزيل خيرها.

مقالات ذات صلة

Do NOT follow this link or you will be banned from the site!

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock