شؤون محلية

القضاء ثم القضاء

| بقلم: نبيل الملاح

كنت قد كتبت سلسلة مقالات تحدثت فيها عن القضاء وواقعه الذي لا يسر، وقدمت بعض الأفكار والاقتراحات لتصويب أداء وعمل السلطة القضائية باعتبارها المؤسسة الأهم في الدولة والرافعة لمشروع الإصلاح الإداري وغير الإداري والأداة الأقوى لمحاربة الفساد وتحقيق سيادة القانون وإقامة العدل في الدولة والمجتمع قدر المستطاع، وهذا ليس بالأمر المستحيل وليس حلماً طوباوياً.
لقد أصبحت معاناة المواطنين وهمومهم كبيرة وأكبر من قدرتهم على التحمل، ولا بد من العمل بسرعة كبيرة لتخفيف هذه المعاناة ضمن رؤية إستراتيجية متكاملة تأخذ بعين الاعتبار الإمكانات والأولويات، وهذا يحتاج بالتأكيد إلى رجال دولة يتمتعون بالخبرة والعلم والنزاهة، فمرحلة ما بعد الحرب أصعب بكثير من الحرب نفسها بالنظر لمحدودية الموارد ومتطلبات إعادة البناء، وكلنا قرأ أو سمع ما سأل عنه تشرشل بعد الحرب، فلقد سأل حصراً عن التعليم والقضاء، وعندما أعلموه بسلامة وضع القضاء والتعليم أبدى ارتياحاً وتفاؤلاً بتجاوز آثار الحرب وإعادة بناء الدولة.
وهذا يتطلب من الجميع وفي مختلف المستويات الاهتمام بالقضاء وعدم تركه مباحاً للفاسدين والمفسدين الذين يسعون بقوة لعرقلة إصلاحه وإبقائه على حاله الذي بات حديث الكبير والصغير، وأذكر بصدق أنني مرات عديدة ركبت سيارة أجرة لإيصالي إلى القصر العدلي فأسمع تعليقاً من السائق عن القضاء يجعلني أشعر بالحزن، لكنني ألتزم الصمت كون وصفه وكلامه يعبران عن معاناة وخلل يلمسهما كل من يدخل القصر العدلي مدعياً أو مدعى عليه…
لذلك وجدت أنه قد يكون من المفيد التذكير ببعض الأفكار والاقتراحات التي خلصت إليها بالبحث والدراسة والتجربة، آملاً التعامل معها بجدية وعدم إهمالها، أو على الأقل مناقشتها وإعلان الممكن وغير الممكن فيها رغم اعتقادي بأنها كلها ممكنة ولا بد أن تتحقق عاجلاً أم آجلاً.
وسأعرض فيما يلي أهم هذه الأفكار والمقترحات:
1- إحداث إدارة مستقلة تتبع مجلس القضاء الأعلى باسم «إدارة المتابعة والتأهيل والتدريب» تتولى متابعة تنفيذ القرارات التي تصدر عن مجلس القضاء الأعلى ومتابعة عمل وأداء القضاء وتنظيم الدورات التأهيلية والتدريبية لهم ووضع الصيغ والآليات الناجعة لتقييم ومراقبة عملهم وأدائهم وإعادة تأهيلهم قبل انتقالهم إلى الدرجة الأعلى، وقد يكون من المفيد الاستعانة بالقضاة الكبار المتقاعدين الذين ما زالوا قادرين على العطاء وإعادة بناء المؤسسة القضائية. وهنا أعود وأسأل: هل يجوز أن يرتكب القاضي أكثر من خطأ مهني جسيم؟ وهل يجوز اعتبار الخطأ المهني الجسيم أمراً عادياً يمر دون حساب؟!
2- إعادة النظر بقانون أصول المحاكمات المدنية لإزالة الغموض والالتباس الذي يؤدي إلى فسح المجال للتفسيرات والاجتهادات التي قد تأتي خلافاً لقصد المشرع وغايته، وكذلك إعادة النظر بالأحكام التي تتعلق بالشكل في إجراءات التقاضي بما يمنع استغلالها لتأخير البت بالدعاوى على حساب الموضوع والحق. فهل يعقل أن ترد الدعوى لعدم الاختصاص بعد سنة أو سنتين؟!
3- إقامة ندوة موسعة تضم كبار القضاة القائمين على رأس عملهم والمتقاعدين والمحامين وأساتذة كلية الحقوق لبحث ما يتعلق بدعاوى المخاصمة ودعاوى الانعدام ومراجعة النصوص القانونية الناظمة لها والاستئناس بتجارب الدول المتقدمة في المجال القضائي والقانوني، ووضع الصيغ الأنسب التي تضمن حسن سير العدالة وعدم تعطيل تنفيذ الأحكام القضائية المكتسبة الدرجة القطعية.
4- العمل على وضع «مدونة» مشتركة بين مجلس القضاء الأعلى ونقابة المحامين تتضمن المبادئ والمعايير التي يجب على القاضي والمحامي الالتزام بها وعدم تجاوزها، وطرحها عبر وسائل التواصل الاجتماعي لإبداء الرأي والملاحظات من المختصين والمهتمين، وإصدارها أصولاً لتكون ملزمة. وفيما يلي بعض المبادئ والمعايير التي أراها أساسية لهذه المدونة:
أ- أن تكون سلطة القاضي وحصانته دافعاً له للتعامل مع المواطنين والمتداعين بالأسلوب الذي يحفظ كرامتهم وإنسانيتهم بعيداً عن التعالي والفوقية، وأن تنحصر سلطة القاضي بالحكم في الدعاوى والقضايا المنظورة أمامه وفقاً للقوانين النافذة وفي حال وجود نص قانوني بحاجة إلى تفسير فإن ذلك يجب أن يتم من قبل السلطة التشريعية أو الهيئة العامة لمحكمة النقض أو إدارة التشريع لدى وزارة العدل –حسب الحال- ولا يجوز أن يقوم القاضي بتفسير نص قانوني بحكم يصدره خلافاً لغاية المشرع وقصده وما جاء في الفقه القانوني المستقر.
ب- القضاء مؤسسة عدل وإنصاف وليس مؤسسة اصطياد المتقاضين بأخطاء لا قيمة لها على شكليات وموضوع الحق المدعى به.
ج- إن حق المحامي بالدفاع عن موكله يجب أن ينطلق من الحرص على الدفاع عن أصحاب الحقوق وليس للدفاع عن الذين يعتدون على حقوق الآخرين ويغتصبونها.
د- عدم ظهور القاضي في وسائل الإعلام إلا بتكليف من المرجع القضائي المختص وبأضيق الحدود.
وأعتقد أن النهوض بعمل السلطة القضائية وتجاوز واقعه المؤلم الذي بات شاخصاً بوضوح وعلانية أمام القاصي والداني، لن يتم إلا بإجراءات استثنائية تتم بترؤس السيد رئيس الجمهورية اجتماعات مجلس القضاء الأعلى بصفته رئيساً له انطلاقاً من أن القضاء هو الرافعة الأهم لإعادة بناء مؤسسات الدولة وسيادة القانون ومحاربة الفساد الذي بات مرضاً خبيثاً ينتشر بسرعة في جسم الدولة والمجتمع بدعم وتحريــض من أنصار ودعاة العولمــة والاقتصـاد الحر.
ولنوجه أبصارنا واهتمامنا إلى القضاء ثم القضاء ثم القضاء.

باحث ووزير سابق

مقالات ذات صلة

Do NOT follow this link or you will be banned from the site!

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock