قضايا وآراء

أردوغان الضائع بين ترامب وبوتين

| تحسين الحلبي

«من لا يتعلم من التاريخ يرتكب أخطاء فادحة» هذا ما يقوله الحكماء ويبدو أن الرئيس التركي رجب طيب أردوغان لا يهمه أن يرى سوى أوهامه في تطورات الصراع والحروب في المنطقة، ففي تحليل حول تاريخ الصراع العثماني الروسي كشف الباحث التركي بوراق باكديل أن الدولة العثمانية خاضت حروباً متعددة ضد القيصر الروسي في القرون الماضية وفي كل هذه الحروب كانت تدفع ثمناً باهظاً وتمنى بالهزائم، وفي تاريخ السنوات القليلة الماضية تلقى أردوغان ضربة شديدة في أيلول عام 2015 حيث اتفق الرئيسان بشار الأسد والروسي فلاديمير بوتين على تصعيد المجابهة العسكرية ضد المجموعات الإرهابية بمشاركة مباشرة لسلاح الجو الروسي وإرسال طواقمه وطائراته على الأرض السورية في شمال البلاد بالذات وهي المناطق القريبة من الحدود التركية السورية التي فتحها أردوغان لنقل المجموعات الإرهابية بعشرات الآلاف إن لم يكن بمئات الآلاف منذ بداية الحرب على سورية.
شكل هذا التطور الروسي في المنطقة بشكل خاص وفي العالم، منعطفاً إستراتيجياً في توازن القوى الإقليمية لمصلحة سورية وفي التوازن الدولي، ووجد أردوغان منذ عام 2015 نفسه أمام تحالف سوري إيراني روسي يجمع القدرات الإقليمية ويفرض جدول عمله وأهدافه في الدفاع عن سيادة سورية ووحدة أراضيها وفي تصفية كل أشكال الإرهاب الذي كان أردوغان يقدم كل أنواع الدعم له. وتمكنت سورية وحلفاؤها من زعزعة تماسك الحلف الإقليمي الذي حاول أردوغان قيادته ضدها مع الرياض والدوحة وواشنطن إلى أن تمزق هذا التحالف الرجعي الأردوغاني وأصبح ثلاثة أجزاء متنازعة وفقد عدداً من الأوراق التي كان يعدها أردوغان قوة له لتحقيق تطلعاته التوسعية العدوانية، فقد عجز حلف الأطلسي الذي يعد أردوغان عضواً فيه عن تقديم أي دعم عسكري مباشر لأهدافه كما لم يعد الاتحاد الأوروبي الذي سعى أردوغان إلى الاستناد إليه في الانضمام لإطاره، يرحب بأردوغان، وفشل الرئيس الأميركي دونالد ترامب وأردوغان معاً في توزيع الأدوار في موضوع أكراد سورية واتسعت التصدعات في مستقبل العلاقات الأميركية التركية ولم ينجح في اللعب بين التناقضات التي كان يتوهم أن سيستند إليها في تحقيق أهدافه في سورية والمنطقة، وفي النهاية وجد نفسه مضطراً لاستخدام خطاب سياسي لم يتعوده في بداية سنوات الحرب على سورية تجاه موسكو وطهران وتحديداً حين خلق لنفسه أزمة مع واشنطن والأطلسي في موضوع شراء منظومة الصواريخ الروسية «إس 400» وما يشكله ذلك من انتهاك لأهم الأسس التي قام عليها حلف الأطلسي وكان يعتقد أنه لن يخسر ترامب ولا الحلف الأطلسي ولا بوتين ولا الرئيس الإيراني حسن روحاني فإذا به يضع نفسه في دوامة بدأت تفرض عليه فيها سورية استحقاقات عسكرية في إدلب لتنتقل بعد ذلك إلى استحقاقات لتحرير مناطق أخرى في الرقة إلى أن تنتقل إلى تحرير الأراضي التي احتلتها وحدات تركية والتي أقامت فيها الوحدات الأميركية في شمال شرق سورية.
لذلك يستنتج الباحث التركي باكديل في نهاية تحليله للوضع الداخلي والإقليمي لأردوغان أن «مقامرة أردوغان لن يستفيد منها لكن بوتين من المؤكد أنه سيستفيد منها كثيراً».
وكان عدد من المحللين الأتراك قد أكدوا في الموقع الإلكتروني بلومبيرغ أن أردوغان فقد كل هوامش مناورته بين روسيا وأميركا وأصبحت أوراق الضغط الروسية والإيرانية عليه أقوى من الأوراق الأميركية، وإذا صح هذا الاستنتاج فإن نتائج هذا الضغط ستظهر بشكل متسارع في النصف الثاني من عام 2019 حين يجد أردوغان أن جولة ترامب التصعيدية ضد إيران ستنتهي بالفشل وأن الدور الدولي الروسي الصيني بدأ يفرض استحقاقات اقتصادية وسياسية وعسكرية أخذت تغير النظام العالمي الأميركي الأطلسي الذي راهن عليه إقليمياً ودولياً واستند إلى دعمه ضد سورية وحلفائها.

مقالات ذات صلة

Do NOT follow this link or you will be banned from the site!

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock