الأولى

دون قرني الشيطان

| نبيه البرجي

في أوساكا، بدا وكأنه ينزع قرني الشيطان من رأسه..
حديث عن الشراكة مع الصين، إثر سلسلة من الإجراءات الجمركية الهوجاء، وكان يمكن أن تفضي إلى زعزعة أسس الاقتصاد العالمي. برقية غرامية إلى كيم جونغ ـ أون قبل أن تطأ قدماه أرض الجمهورية التي وصفها الجنرال دوغلاس ما آرثر بـ«أرض الأبالسة». تالياً، المساكنة المخملية مع الترسانة النووية الكورية الشمالية.
دونالد ترامب مازح محمد بن سلمان، بعدما ثابر على تأنيبه، وجهاً لوجه، لأن صفقات السلاح التي بالمليارات بـ«الملاميم» الآن، وقد تعدت الـ400 مليار دولار، يستحق ولي العهد ضحكة من براثن الرئيس الأميركي.
هذا هو رصيدنا التاريخي، والإستراتيجي، ضحكة من براثن الضباع.
هذا الرجل قال: إن رجب طيب أردوغان «كان يزمع «محو» الأكراد عند الحدود السورية، وقد طلبت منه ألاّ يفعل ذلك». إذ لا نستطيع التفريق بين زبائنية هذا وذاك، نتساءل عن خلفية تلك اللغة الرقيقة في مقاربة مسألة إبادة الأكراد، كما لو أن المسألة تتعلق بإبادة قطيع من الذباب.
ألا تذكّرنا الكلمة بالمصطلحات التي شاعت في الثقافات الهمجية؟ هنا إبادة مئات الآلاف من المخلوقات البشرية، من دون أن يرف جفن لدونالد ترامب. بمنتهى اللياقة تمنى عليه ألاّ يقدم على فعلته.
هل قرأ قادة تلك الفصائل ما تفوه به من يسندون إليه رؤوسهم، وأكتافهم، وبنادقهم؟ أردوغان خطط للإبادة. الحليف، بالقفازات الحريرية، أرجأ ساعة التنفيذ.
أولئك القادة الذين لم يأخذوا الأمثولة من التلاعب الأميركي برؤوس الحلفاء. نحيلهم إلى الرئيس الفيتنامي الجنوبي وين فان ثيو الذي قال «لم أكن أتخيل أن جمجمتي تصلح كرة للقدم»!
خطة أردوغان وردة فعل ترامب لحظة العار، ليس فقط في وجه «قوات سورية الديمقراطية»، وإنما في وجه الضمير العالمي. كيف يمكن لرئيس أميركي أن يتحدث عن إبادة تلك الكمية الهائلة من البشر بلغة الغانيات؟
حديث عن الصفقة القذرة بين واشنطن وأنقرة: وقف «محو» الأكراد، مع ما لذلك من تداعيات دراماتيكية على الصدقية الأخلاقية للولايات المتحدة، مقابل عدم فرض عقوبات على تركيا لشرائها منظومة «إس 400», التي يفترض أن تتعايش، ولو بالإكراه، مع طائرات الشبح «ف ـ 35».
أردوغان هو من أعلن، إبان انعقاد قمة العشرين، وعقب لقاء نظيره الأميركي، أنه واثق من أن بلاده لن تخضع للعقوبات، وبعدما كان قد راعه قول ترامب له، في وقت سابق، «سأدمر اقتصادك».
لماذا يتقمص الرئيس الأميركي شخصية هولاكو (لا تنسوا كاليغولا) فقط في الشرق الأوسط؟ السؤال لا يلغي ما يكتب وما يقال داخل لاستبلشمانت من أن تقهقر الرجل في الخليج بمنزلة البداية لسلسلة من التراجعات بعدما دفع بالعلاقات الدولية، وبالمعادلات الدولية، إلى الجحيم.
باقتضاب، دونالد ترامب انحنى كـ«عاشق» أمام كيم جونغ ـ أون. داعب شين جينبينغ. ربّت على كتف رجب طيب أردوغان. في المقلب الآخر، بقي على موقفه من العقوبات تجاه الذين لا يراوغون، ولا يتواطؤون، ولا يضعون ظهورهم في خدمة سدنة الهيكل.
صدمة الخليج أظهرت، بانورامياً، الجانب الدونكيشوتي، والجانب المكيافيلي، من شخصية دونالد ترامب. في أوساكا بدا مختلفاً، الآخرون باتوا على بيّنة من نقاط الضعف في السياسات، وفي الإستراتيجيات، الأميركية. في واشنطن يسألون: هل تكون الخطوة التالية، الانسحاب من سورية والعراق في الطريق؟

مقالات ذات صلة

Do NOT follow this link or you will be banned from the site!

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock