قضايا وآراء

ليبيا.. تنافس على نيل رضا الوصاية الأميركية!

| تحسين الحلبي

من يتابع سياسة التدخل الأوروبي الأميركي على أراضي الدول العربية التي استهدفها المخطط العدواني الأميركي الأوروبي المشترك منذ بداية عام 2011 فسيجد أن أشكال هذا التدخل تتطور بين مرحلة وأخرى وتتنازع فيها بعض الدول الأوروبية مثل فرنسا وإيطاليا مع الولايات المتحدة بشكل خاص ومع بريطانيا بشكل عام على مصالح كل طرف من دون تنسيق صريح في اقتسام هذه المصالح ومواقع النفوذ فأصبحت كل دولة منهم لها أتباع تقدم الدعم لهم وتدفعهم إلى توسيع نفوذها، على حساب نفوذ الدولة الأخرى.
ويبدو للجميع الآن أن الساحة الليبية باتت النموذج الصارخ على هذه الحقيقة بعد أن انحصرت معظم القوى المؤثرة الليبية التي كانت الدول الغربية توظف مجموعاتها لخدمة مصالحها، في إطارين رئيسيين هما أتباع المشير خليفة حفتر و«جيشه الوطني» من جهة، وأتباع فايز السراج وقواته النظامية في طرابلس من جهة أخرى.
حفتر الذي يحمل الجنسية الأميركية منذ سنوات كثيرة، كان قد أثار تنافساً حاداً بين هذه الدول الغربية، حين سيطر على أكبر حقول النفط الليبية وأقدمها، وهو حقل الشرارة جنوبي البلاد وحين وسع سيطرة جيشه في مناطق كثيرة.
ولأن الطرفين الليبيين المتنافسين على السيطرة داخل البلاد يدركان طبيعة قواعد اللعبة مع هذه الدول الغربية المتنافسة على مصالحها لدى كل منهما وبخاصة الولايات المتحدة، فقد سارع كل منهما إلى الاستعانة بمنظمات أميركية خاصة للخدمات السرية والاستخباراتية والسياسية داخل الولايات المتحدة لتوكيلها من أجل إقناع أصحاب القرار الأميركي بتفضيل هذا الطرف الليبي على الآخر وممارسة التأثير والترويج لمصلحة الولايات المتحدة معه وليس مع غيره.
المجلة الإلكترونية «زيرو هيدج» المتخصصة بالتحقيقات الموثقة، كشفت أن ساحة ليبيا أصبحت مسرحاً لحرب بدأت شركات الخدمات السرية الأميركية التي يطلق عليها غير الحكومية تتنافس فيها وترسل مجموعات مرتزقة متعاقدة لكل طرف من الطرفين الليبيين المتنازعين على الحكم والسيطرة وتتولى الدفاع عن مصالح هذا الطرف أو ذاك داخل الإدارة الأميركية.
ففي التقرير الذي نشرته «زيرو هيدج» في 14 تموز الجاري ظهر أن شركة «ميركوري بابليك أفيرز» ومعها شركة «برايم بوليسي غروب» الأميركيتين تعاقدتا في بداية شهر أيار الماضي مع حكومة طرابلس لإضافة 17 عميلاً أجنبياً رفيع المستوى لتنشيط عمليات التأثير لمصلحة حكومة طرابلس في الولايات المتحدة ومن بينهم أعضاء كونغرس مثل عضو لجنة العلاقات الخارجية في الكونغرس جون تانير ومستشارون في السياسة الخارجية.
وبالمقابل تعاقد حفتر مع خمسة سياسيين أميركيين من المستوى نفسه ومع مجموعات تعمل لمصلحتهم في منظمة «ليندين غافرمينت سوليوشين» ومقرها تكساس يرأسها ستيفان باين أحد مستشاري الرئيس بوش سابقاً وصاحب المصالح النفطية في الشرق الأوسط.
وفي ساحة عمليات هذه الشركات التي تصدر المرتزقة يدافع مستشار الأمن القومي الأميركي جون بولتون عن سياسة دعم حفتر برغم أن البيت الأبيض ما زال يعترف بحكومة طرابلس هو والأمم المتحدة، لكن المحللين في واشنطن يشيرون إلى حالة ارتباك سادت داخل الإدارة الأميركية وبعض دول أوروبا بعد اتساع سيطرة حفتر ومال البعض إلى التخلي عن حكومة سراج في طرابلس بينما اتخذ وزير الخارجية الأميركي مايكيل بومبيو موقفاً مثيراً للجدل حين أعلن في بيان رسمي أن واشنطن تعارض هجوم حفتر على طرابلس.
بهذا الشكل الأميركي المتلاعب ارتبك موقف فرنسا وإيطاليا وهما الدولتان اللتان كانتا أول من عمل على اقتسام مصالحهما في ليبيا حين أرسلتا قواتهما لضرب القذافي عام 2011 وتجنيد المجموعات المسلحة التي انتشرت في ليبيا لمصلحة كل منهما وتاهت الدولتان بين الاستمرار بتأييد حكومة طرابلس أو تأييد جيش حفتر.
أما إدارة ترامب صاحبة أكبر المصالح الإمبريالية في المنطقة فوجدت أنها قادرة على ممارسة لعبتها نفسها بين الدوحة والرياض في تعاملها مع الطرفين الليبيين في هذه المرحلة لعلها تقلص المصالح الفرنسية والإيطالية أو تبعدها عن ليبيا باستخدام حفتر الجنرال الليبي والمواطن الأميركي دون أن تخسر سراج في طرابلس وخصوصاً أن سراج لاحظ أن من اعترف به في أوروبا لم يعد في مقدوره حمايته من اجتياح أميركي شق طريقه بقوة حفتر المسلحة لتعزيز النفوذ الأميركي في ليبيا التي يتطلع الرئيس الأميركي دونالد ترامب إلى ترويج انتصاره فيها في حملته الانتخابية التي بدأت على الرئاسة الأميركية.
يبدو من الواضح أن أوروبا في عام 2019 أصبحت بنظر المصالح الأميركية والتحولات التي اتبعها ترامب في السياسة الخارجية منذ عام 2017 تتطلب التعامل مع دولها الكبرى مثل فرنسا وإيطاليا بشكل مختلف وخصوصاً أن بريطانيا ستخرج من الاتحاد الأوروبي ومن تقاسم المصالح معه بعد أشهر قليلة وهذا ما سوف يشكل أكبر الهزائم للسياسة الفرنسية التي ظنت أن التحالف مع الولايات المتحدة سيعيدها إلى موقعها في شمالي إفريقيا ولعل هذا ما جعل حكومة طرابلس تلجأ إلى التعاقد مع المنظمات والشركات السياسية الأميركية للمحافظة على دورها بعد أن وجدت أن اعتمادها على فرنسا لن يحقق لها شيئا من الكعكة.

مقالات ذات صلة

Do NOT follow this link or you will be banned from the site!

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock