من دفتر الوطن

شؤون صغيرة

| عصام داري

تمر بها أنت.. دون التفات
تساوي لدي حياتي
جميع حياتي..
هكذا كتب نزار قباني عن الشؤون الصغيرة، فلماذا لا أكتب عن شؤون صغيرة بعيداً عن العشق والهوى والغرام، عن شؤون صغيرة نعيشها يومياً فنتمرد حيناً، وننحني أحياناً!
إذا كان نزار قد وصف تلك الشؤون الصغيرة بأنها تساوي حياة صبية، وربما تساوي كذلك حياة شاب، فإن الشؤون الصغيرة الراهنة التي نعيشها جميعاً، هي الحياة بكل مواجعها وسخريتها وجنونها.
أسأل نفسي: هل فساد شخص في موقع المسؤولية يعتبر من الشؤون الصغيرة، أو من الجرائم التي يعاقب عليها القانون؟ وإذا كانت كذلك فلماذا يبقى هذا الشأن الصغير، أي الفاسد، خارج السجن يتمتع بالأموال المسحوبة من جيوب الناس، حسب أغنية لزياد الرحباني؟
شأن صغير آخر يزعجنا، قد يبدو صغيرا، لكنه كارثي، أتحدث عن الضوضاء التي نعيش معها مجبرين، وهذه هي ضريبة الحضارة كما يقولون، هل تعرفون أن الضوضاء تؤثر في الدورة الدموية ووظائف القلب وتنشئ اضطراباً للجهاز العصبي والجهاز السمعي و(بلاوي) كثيرة غير ما تقدم؟ وهل كتب علينا أن نتعرض لكل هذه الأمراض والتأثيرات من دون أن نجد حلولاً تخفف من الضوضاء، ولا نقول تلغيها؟
لكن المصيبة ظاهرة (تشفيط) الدراجات النارية ليلاً وبشكل جنوني يكاد يتسبب في انفجارات براكين أدمغتنا، والغريب أن السلطات المعنية لا تحرك ساكنا لوقف هذه الظاهرة التي صارت ظاهرة عامة وفي كل المدن، وبشكل خاص في دمشق، والأكثر غرابة أن هذا(التشفيط) يكثر في الليل، ويسبب استيقاظ الناس من نومهم وهم في حالة رعب وفزع.
حسب علمي إن هناك قرارات سابقة تمنع تجوال الدراجات النارية في المدن، فهل تراخت السلطات المعنية أم إنها ألغت قرارات المنع؟ وإذا كنا لا نستطيع السيطرة على هذه الظاهرة البسيطة فكيف سنتمكن -لا سمح اللـه– من مكافحة الفساد؟
وإذا كنا لا نستطيع التحكم في الأسواق وضبط المخالفات ومنع حيتان الأسواق من ابتلاع المواطن، فكيف سنتمكن من إقناع هذا المواطن أن الدنيا بخير وأن (بكرا أحلى)؟
شؤون صغيرة هي حياتنا اليومية التي لا يمكننا تقبل استمرارها على هذه الوتيرة، ويجب تغيير السمت والاتجاه والخطط، فالأمور لا تنصلح إذا استبدلنا الأشخاص، أو إذا مارسنا لعبة الطرابيش التي يعرفها الجميع، ولا يمكن الاستمرار في تجربة الأشخاص لشغل المواقع والمفاصل في الوظائف العامة، فالتجربة تقودنا إلى إضاعة سنوات من عمر البلد، وإضاعة فرص أمام خبرات وضعت على الرف كي يصل شخص بلا خبرة والشهادة الوحيدة التي يملكها هي«الواسطة»!.
شؤون صغيرة تتحول إلى جبال من المشكلات والمعوقات والعقبات والألغام في وجه تقدم البلد ونحن على أبواب مرحلة جديدة لإعادة البناء، وهي مرحلة حساسة للغاية تتطلب تضافر جهود الجميع للنهوض بسورية وإعادتها إلى أفضل مما كانت عليه، أو إلى ما كانت عليه على أقل تقدير، فهل هناك من يسمع، أم إننا نكتب على ورق يستخدم في تنظيف الزجاج، ويبقى كل ما عداه وسخاً وقذراً؟
مجرد شؤون صغيرة، و«فشة خلق»!

مقالات ذات صلة

Do NOT follow this link or you will be banned from the site!

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock