من دفتر الوطن

رحيق الروح

| حسن م. يوسف

ليست الترجمة فن الحياة مع الآخر وحسب، كما هو شائع، فالمترجمون برأيي هم النحل الذي يجني الرحيق من أرواح شعوب العالم ليصنع منه عسل الثقافة الشافي.
صحيح أن الذكاء الاصطناعي يسهم بشكل متسارع في تطوير الترجمة الآلية، ومن المتوقع أن تتمكن حاسبات المنطق المشوش Fuzzy Logic من محاكاة طريقة العقل البشري في التفكير، إلا أنه سيمضي وقت طويل قبل الاستغناء عن الترجمة البشرية، خاصة في مجال الأدب، والشعر خصوصاً، فالحساسية البشرية ماتزال وستبقى طويلاً هي الأقدر على التقاط ظلال المعاني الخبيئة في الكلمات وخلفها.
قبل حوالي عامين أصدر الدكتور ثائر زين الدين كتاباً بعنوان «مغامرات في أرض حرام، في الترجمة والأدب المقارن» عن دار كيوان بالسويداء، توقف في مستهله عند رأي الناقد هنري غيفورد الذي يرى «أنه لا يمكن لأكثر من لغة واحدة فقط (اللغة التي نعيش ونفكر بها) أن تكون حية تماماً بالنسبة إلينا… فالعمل الإبداعي الأدبي هو نتاج لغة مختلفة تعبر عن حقائق المخيلة، وينغرس بصورة راسخة تماماً في العنصر غير القابل للترجمة!» لذا يرى كثيرون، على حد قول الدكتور ثائر زين الدين إن «ترجمة الأدب والشعر بالتحديد هي أشبه بالقبلة من وراء الزجاج».
يأتي الدكتور ثائر على ذكر مواصفات المترجم كما أوردها الشاعر والناقد الإنكليزي جون درايدن «1631-1700»: «يجب أن يكون المرء ناقداً جيداً في لغته الأم قبل أن يحاول الترجمة عن لغة أجنبية، لا يكفي أن يكون قادراً على الحكم على الكلمات والأسلوب ولكن يجب أن يتقنها أيضاً، يجب أن يفهم لغة مؤلفيها بشكل كامل، وأن يتقن لغته بصورة كاملة، لذلك إذا أراد أن يكون مترجماً بكل معنى الكلمة يجب أن يكون شاعراً بكل معنى الكلمة.»
يوغل الدكتور ثائر في تشريح عملية الترجمة والحدود المسبقة التي تقيد المترجم، «لا شيء يعد نهائياً» فمهما كانت الترجمة مؤثرة فهي غير قادرة على الامتداد زمانياً ومكانياً مع الأصل، إنهما ليسا الشيء نفسه تماماً، كما يعبر هنري غي فورد في كتابه الأدب المقارن».
كذلك يتتبع الباحث مغامرة ترجمة النصوص السردية الروسية إلى العربية وخصوصية نقل العبارات الاصطلاحية، متوقفاً عند مالا يترجم في الترجمة. وتحت عنوان « مغامرة في أرض حرام» يستعرض الدكتور ثائر المواقف المتباينة من ترجمة الشعر فيتوقف عند موقف الجاحظ من هذه المسألة حيث قال في كتابه (الحيوان): «وفضيلة الشعر مقصورةٌ على العرب، وعلى من تكلَّم بلسان العرب. والشعر لا يُستطاع أن يترجَم، ولا يجوز عليه النقل، ومتى حوِّل تقطَّع نظمُه وبطلَ وزنُه، وذهب حسنُه وسقطَ موضعُ التعجب منه».
كما يقف عند رأي عبد الغفار مكاوي إذ يقول: « إن ترجمة الشعر أشبه بالمخاطرة في أرض حرام، في منطقة غامضة تقع على الحدود الغامضة بين الإنشاء أو الإبداع الخالص والنقل الحرفي الدقيق والأمين». كذلك يتوقف الدكتور ثائر عند مقولة بشير السباعي: «إن حضور المترجم في النص شبيه بحضور الممثل على خشبة المسرح».
يضم كتاب الدكتور ثائر زين الدين تسعة فصول كل واحد منها يقدم جانباً من مغامرة الترجمة وقد خلص الى تثمين دور المترجمين من العربية وإليها «في بناء صرح الحضارة الإنسانية وفي مد الجسور بين شعوب الشرق وأمم الغرب…وصولاً الى خلق حوار الحضارات والشراكة فيما بينهما عوضاً عن الصراع والصدام الذي بشر به الكثير من المفكرين الغربيين».
في بدء كلامي شبهت المترجمين بالنحل الذي يجني الرحيق من أرواح شعوب العالم ليصنع منه عسل الثقافة الشافي، غير أن بعض المترجمين يحولون الرحيق إلى قطران، وسأروي لكم في مقال لاحق بعض أخطاء المترجمين التي تبكي من شدة الضحك.

مقالات ذات صلة

Do NOT follow this link or you will be banned from the site!

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock