ثقافة وفن

الرصافة.. لؤلؤة بادية الشام … أمويون فإن ضقت بهم ألحقوا الدنيا ببستان هشام

| المهندس علي المبيض

بعثت أديان التوحيد في بلاد الشام ومن أرضنا الطيبة انتقلت عبر الرسل والدعاة إلى أرجاء الدنيا باعتدال ووسطية ويتكلم جزء مهم من السوريين إلى الآن لغة السيد المسيح، وعلى أساس علومنا وحضارتنا بنيت علوم الآخرين وحضارتهم، أمة عظيمة هذه خصائصها لا تخشى المحن رغم خطورتها ولا تفقد إرادتها بسبب الحروب والفتن والتغيرات، أمة هذه خصائصها ستبقى واقفة في مواجهة المخاطر مهما اشتدت، يرفع أبناؤها هاماتهم يفتخرون بماضيهم واثقين من حاضرهم ومستقبلهم.

ما إن يستعرض المرء تاريخ الشرق القديم حتى تمر بخاطره هذه المنطقة من العالم سورية التاريخ والحضارة، ويمكن القول بجدارة إن أرض سورية بالكامل متحف طبيعي للتاريخ حيث تنتشر في أنحاء أراضيها آلاف المواقع الأثرية والتاريخية من الجزيرة وحوض الفرات إلى محور المدن دمشق، حلب، حماة، حمص، اللاذقية، درعا.. وإلى امتداد الساحل وربوع البادية السورية حيث تنتشر المباني والقلاع والمواقع الأثرية السورية التي بنيت منذ بداية الوجود البشري على أراضيها وعلى اختلاف المراحل التاريخية.
وقد اشتهرت البادية السورية منذ أقدم العصور بالعديد من المدن والقصور ومنشآت من كل نوع أشيدت وفق مواصفات هندسية مدروسة وثابتة اندثر أكثرها فلم يبقَ قائماً منها اليوم سوى خرائب متناثرة وربما تحدّت بعض الأعمدة الرشيقة والجدران والنقوش عوامل الزمن وتدخلات الإنسان فظلّت منتصبةً تُثير الخيال عندما يمرُّ المسافرون من أمامها أثناء تنقلهم عبْرَ قرونَ من الصمت إلى عهودٍ كانت تضجّ فيها بالنشاط والفن والرفاهية.
ونحن عندما نستعرض القصور الأموية فإننا نطرح موضوعاً في غاية الأهمية وهو جدير بالبحث وهو لماذا لم يقم الأمويون ببناء قصورهم في جنوب الأردن وفلسطين أي أقصى بلاد الشام؟! إذ تخلو هذه المناطق من القصور الأموية على الرغم من سيطرة الدولة الأموية عليها حيث قد تركز معظم هذه القصور في الجهة الغربية الشمالية من بلاد الشام ويكاد تخلو أقصى جنوب بلاد الشام من أمثال تلك الأنماط المعمارية، فعلى الرغم من قصر مدة حكم الأمويين مقارنة بحكم العباسيين حيث بلغت فترة حكم الأمويين نحو 90 عاماً تقريباً منذ (662 إلى 750) م على حين كانت فترة حكم العباسيين أطول منها بكثير إذ امتد العصر العباسي نحو 500 عام منذ (750 إلى 1258) م إلا أن عدد القصور التي تم بناؤها خلال العصر الأموي أكبر بكثير من القصور التي أشيدت في العصر العباسي حيث ذكر بعض الباحثين ومنهم سوفاجيه أكثر من ثلاثين قصراً أمويّاً في بادية الشام تمت إشادتها وفق طراز معماري واحد علماً أن الفترة الأمويّة لم تشهد إلا استقراراً نسبياً مقارنة بالفترة العباسية كما أن مساحة الدولة في العصر العباسي قد توسعت رقعتها وبسطت نفوذها بشكل أكبر وتم فرض الاستقرار في أغلب مراحلها وشهدت تلك الفترة ازدهاراً ونشاطاً تجارياً واسعاً وزادت مداخيلها وايراداتها المالية، فالعباسيون كما هو معلوم أكثر ثراءً وامكانياتهم أكبر ومع ذلك فإنهم بنوا عدداً أقل من القصور رغم طول المدة التي حكموها، أثار هذا الموضوع حفيظة الباحثين والمهتمين بهذا الشأن وصدرت دراسات وتحليلات كثيرة حول الأسباب الكامنة وراء ذلك، ما دفع الباحثين إلى إطلاق مجموعة من الفرضيات العديدة حول أسباب بناء تلك القصور ودوافعه ولا يمكن الركون إلى سبب أو دافع حقيقي واضح لا يعتريه الشك في نسبته إلى الفترة الأموية أو موجبات بنائه. إن أسئلة كثيرة يمكن طرحها في هذا السياق، ولعل هذه الأسئلة وسواها تفتح الباب على مصراعيه للبحث في هذه المسألة، أو قد تقود إلى باب يفتح للنظر في إعادة مسألة تاريخها وفق مناهج وأساليب جديدة وخاصة أن الدراسات الأثرية في هذا الاتجاه تجدد نفسها بين الحين والآخر.
قصر الوليد يقع على سفح بركان خامد يبعد عن دمشق نحو 165 كم من الجهة الجنوبية الشرقية ويعرف أيضاً باسم قصر سيس نظراً لوقوعه بالقرب من جبل سيس ويحيط بالمنطقة صخور بركانية ويشكل جبل سيس، جزءاً من جبل حوران (اللجاة) ويمكن الوصول إليه عن طريق بلدة الضمير إذ يبعد عن بلدة الضمير خط نظر مسافة 40 كم، ومن الممكن الوصول له من شرق جبل العرب.
ويُعتبر هذا البناء من أقدم أبنية الأمويين في الصحراء السورية ويتميز موقعه بأهمية من الناحية السياحية إضافة لأهمية القصر التاريخية إذ إنه يقع ضمن منطقة بركانية وبجواره مخروط بركاني يشكل معلماً سياحياً طبيعياً بما يحتويه من فوهة بركانية وتلال مخروطية صغيرة، وقد بناه الخليفة الأموي الوليد بن عبد الملك قبل خلافته والذي تولى الخلافة الأموية بين عامي 705 – 715م، ويأخذ مسقط القصر شكلاً أقرب للمربع طول ضلعه نحو 67م تقريباً وتتوزع أبراج اسطوانية بارزة للخارج في زواياه الأربع وفي منتصف أضلاعه قطرها نحو 8.40 م، ويقع مدخله الرئيسي في الجهة الغربية وهو على شكل برج نصف اسطواني يتصل الباب بدهليز يؤدي إلى فسحة سماوية مربعة الشكل يحيط بها رواق محمول على ركائز حجرية بازلتية ويتوسط الفسحة السماوية بئر ماء منحوتة فوهتها ضمن الصخر البازلتي ويضم القصر مجموعة من الغرف والقاعات بوظائف متنوعة ومساحات مختلفة تتوزع حول الباحة إضافة للمرافق العامة والخدمات كالمطبخ والحمام ودورات المياه، ودلت بعض البقايا والآثار أن القصر ربما كان يضم طابقاً ثانياً بني من الطين كما يضم القصر في الجهة الشمالية حماماً كبيراً واسعاً ويعتبر من أقدم الحمامات الإسلامية التي أنشئت خارج المدن على الإطلاق. يتزود القصر بالمياه من سد مقام بالوادي الجنوبي ويصب في البحرة ويحيط بالقصر مسجد ومجموعة من المنازل الشعبية التي يبدو أنها كانت مخصصة لعناصر حامية القصر. في أواخر العهد الأموي دمّر القصر بعد حريق أصابه وقد تم ترميمه وسكن في العهد المملوكي وتحتوي الصخور المحيطة بالمكان على كتابات مختلفة وبلغات قديمة إضافة إلى اللغة العربية.
رصافة هشام: توصف بأنها لؤلؤة البادية غنت لها فيروز «أمويون فإن ضقت بهم، ألحقوا الدنيا ببستان هشام» في قصيدة رائعة للشاعر سعيد عقل (سائليني يا شآم) تقع جنوب الفرات على بعد 30 كم وعلى مقربة من قصر الحير الشرقي بنى فيها الخليفة الأموي هشام بن عبد الملك قصراً منيفاً، وقد اتخذها الخليفة داراً لإقامته ولاستقبال الوفود وضيوف الدولة وانتشرت فيها الحدائق وأصبحت واحة خضراء وسط الصحراء، وبعد قيام الدولة العبّاسية استمر ازدهار الرصافة حتى القرن العاشر الميلادي وكانت مثالاً للعيش المشترك بين كل مكونات أهلها تتجاور فيها المساجد والكنائس إلى أن دمرها التتار عندما غزوا سورية.
وتكمن أهمية الرّصافة في موقعها المهم بالقرب من طريق القوافل التجارية القديم، وهو الطريق الذي يُحاذي الفرات في موقع سوار ويسير باتجاه البحر المتوسط ماراً بتدمر ودمشق ويربط حلب ودورا أوروبوس لذلك فقد غلب على أهلها العمل بالتجارة وتدل أقدم الشواهد التاريخية على وجود تجمّع بشري فيها في القرن التاسع عشر قبل الميلاد وتم بناء معسكر للجيش بأيدي الآشوريين وعندما أدرك الرومان أهمية الطريق المؤدية إلى البحر من الفرات أصلحوها وحصنوها فأقاموا لحمايتها عدداً من الحصون الصغيرة وكان واحد منها في الرّصافة، وتم تشييد أبنيتها من الحجر الكلسي المشرق البياض حيث تبدو في نور الشمس كأنها أبراجٍ من الزجاج، ويأخذ تخطيط المدينة شكل رقعة الشطرنج بسبب تصالب شوارعها الرئيسية والفرعية شأنها في ذلك شأن سائر المدن البيزنطية، وفي القرن الرابع الميلادي أصبحت الرصافة مقصداً للحج المسيحي.
تضم الرصافة كاتدرائية كبيرة تعتبر إحدى أجمل ثلاث كنائس متبقية من القرن السادس ولا تزال بحالة سليمة حتى ارتفاع 15م، يتوضع إلى جانب الكاتدرائية وعلى جدارها الشمالي محراب ومنبر مسجد هشام الذي بناه داخل السور خلافاً لبقية المنشآت العمرانية التي أشادها وهناك الكنيسة الكبرى (كنيسة الشهداء) التي تقع جنوب الباب الشمالي للمدينة ومبنى المارتيريوم (مبنى الشهيد) بالقرب من الباب الشمالي، كما يحيط بكامل المدينة سور من الحجر ينتصب اليوم بشكل لا مثيل له في تمامه ووضعه، وفي داخلها مصنع ضخم لتجميع وحفظ ماء المطر يشرب منه أهلها ويعتبر من أعظم وأروع ما خلفه فن بناء مستودعات المياه، وتعتبر الرصافة منيعة وقوية لأنها تقع وسط الصحراء ولا يتوافر مياه إلا في ماء المصنع الذي هو داخل السور.
وبمناسبة الحديث عن رصافة هشام نجد أنه من الضروري أن نذكر بأن الأمويين عندما أسسوا دولتهم في بلاد الأندلس قام الأمير عبد الرحمن الداخل ببناء مدينة بالقرب من قرطبة أطلق عليها اسم رصافة الأندلس وجعلها مقراً صيفياً له لارتفاعها عن قرطبة وإطلالتها الجميلة على نهر الوادي الكبير الذي يخترقها تخليداً لذكرى جده الخليفة هشام بن عبد الملك باني رصافة الشام.

مستشار وزير السياحة

مقالات ذات صلة

Do NOT follow this link or you will be banned from the site!

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock