ثقافة وفن

مكتبات الرصيف ثروة ثقافية … المكتبات المنزلية أكبر مزود لها بعد رحيل أصحابها

| نبيل تللو

زرت على مدى سنين طويلة مدناً مختلفة حول العالم، طالباً لعلمٍ، وباحثاً عن عملٍ، وزائراً لأقارب وأصدقاء أبعدتهم متطلبات العيش عني، وسائحاً متلهِّفاً لرؤية منجزات الآخرين، وأول ما أفتش عنه بعد انتهاء الضروري من الأعمال والمهام هو ارتياد المكتبات التي تبيع الجديد من الكتب، فالكتاب عشقي كما هو بالنسبة للكثيرين، ورغبة شرائه تتفوق على كلِّ الرغبات الأخرى، وزيارة المكتبات العامة التي تحفظ الكتب لإعارتها للقراء، واستعارة كتابٍ لمطالعته إن سمح الوقت بذلك. ولكنَّ أكثر ما كنت أبحث عنه هو: «مكتبات الرصيف»، فكتبها متنوعة ورخيصة، وحتى إن لم أشتر أي كتاب، فإنني أجد متعة لا توصف بتصفحها والاطلاع على محتواها سريعاً. تتطرِّق هذه المقالة لهذا النوع من المكتبات، راجياً أن يتذكر كرام القارئات والقراء ما نسوه، وأن يتعرفوا على ما لا يعرفونه.

مكتبة الرصيف هي مركز لبيع الكتب لا يشغل محلاً ثابتاً، وإنما تتنقَّل من رصيفٍ إلى آخر لعرض مختلف المطبوعات على أسوار المباني، أو في خزائن غير ثابتة تُنصب عند تقاطعات الطرق وزوايا الأرصفة، وانتقالها يخضع لاعتبارات ازدحام حركة مرور المشاة، فحيثما تشتد تتواجد، كما تخضع لاعتبارات تنظيم البلدية، فلا يجب أن تُقام في مكانٍ يعوق تدفُّق المشاة بسهولة، وهذا النوع من المكتبات غالباً ما يُعرف بـ: «بسطة كتب». وهي في كثيرٍ من الأحيان لا تخضع للرسوم والضرائب، وهذا ما يجعل معروضاتها أقلُّ سعراً، وحتى هذا السعر المخفَّض يكون قابلاً للمساومة إن لم يكن سعراً ثابتاً كما هو حال أسعار الصحف اليومية والمجلات الأسبوعية والشهرية، فأسعار هذا النوع من المطبوعات ثابت ولا مجال للمساومة عليه. لا يوجد دوام رسمي بأوقات محددة لهذه المكتبات، فبعضها يزاول العمل على مدار الأيام، وبعضها يقتصر على أيام الجمع والعطل الرسمية.
وقد يسأل سائل عن أسباب عدم إقامة مكتبات بيع الكتب القديمة في محلاتٍ ثابتة، والجواب هو أن بيع الكتب القديمة لا يدرُّ دخلاً يكفي لتغطية نفقات المحل الثابت، على حين أن هناك مهناً أخرى تستطيع تغطية التكاليف.
أما مصادر تزويد مكتبات الرصيف بالمطبوعات فهي القنوات المتعارف عليها مثل المؤسسات الحكومية المكلَّفة بتوزيع مختلف المطبوعات، سواءٌ المحلية أو المستوردة من الخارج، أو شركاتٌ خاصة امتهنت هذا العمل؛ الذي كان حتى سنواتٍ قليلة مضت يُدِرُّ دخلاً محترماً، ولكن هذا الدخل قد تراجع حديثاً بسبب اجتياح شبكات التواصل الاجتماعي التي صارت سيدة الساحة، ما أدى إلى عزوفٍ شبه جماعي عن مطالعة المطبوعات الورقية.
غير أن أهم مصادر تزويد مكتبات الرصيف بالمطبوعات المختلفة هو المكتبات المنزلية الخاصة، التي أمضى أصحابها سنواتٍ طويلة في جمع محتوياتها من كتبٍ ومجلاتٍ وصحفٍ، فهاجس اقتناء الكتب يبقى ملازماً لهم مدى العمر، حيث تحفظ في خزائن عديدة ضمن المنزل بعد الانتهاء من مطالعتها، في غرفة الجلوس أو النوم أو الاستقبال، بل أيضاً في بعض الأحيان تُخَصَّص لها غرفة مستقلة إن سمحت مساحة البيت بذلك، وهؤلاء يفتخرون بها ويزهون أمام زوارهم من الأقارب والأصحاب، ويشرحون لهم كيف حصلوا على هذا الكتاب أو ذاك، من قبيل توصية صديقٍ أو قريب مسافرٍ إلى بلد مجاور لشرائه مهما كان الثمن، فالكتاب في هذه الحالة درةٌ نفيسة، فإذا ما ضاق المنزل بهذه الخزانة أو الخزائن، ولم يعد هناك متَّسعٌ لجلب المزيد منها، فإن صاحبها يلجأ لبيعها إلى إحدى مكتبات الرصيف، لاسيما أن مسَّت الحاجة للمال لدفع نفقةٍ طارئة من قبيل علاج مرضٍ أو مساعدة الأولاد في طلب علمٍ أو زواجٍ أو سفرٍ.
ولكنَّ صاحب المكتبة المنزلية الخاصة قد يرحل دون أن يحدِّد مصيرها، فتصبح يتيمةً، هنا يلجأ ورثته – إن لم يكن بينهم محبٌّ للكتب والمكتبات أو هاوٍ لجمعها ــ إلى بيعها لأصحاب مكتبات الرصيف، بالوزن أو بالعدد، أو بسعرٍ إجمالي بخس (بيعة كما يُقال بالدارجة)، ودون تقييم لكل مطبوعة على حدة، فهؤلاء لم يروا في مكتبة مورِّثهم أي قيمةٍ ثقافية، وليست بالنسبة لهم إلا مبلغاً من المال ــ كبيراً أو صغيراً ــ يستعجلون اقتسامه، ولاسيما إن كان يجب إخلاء مكان المكتبة، لتنتهي الثروة الثقافية التي أفنى عمره في جمعها إلى مكتبة رصيف، ليس لها من راعٍ إلا صاحب مكتبة الرصيف، الذي اكتسب خبرةً في الكتب ومختلف المطبوعات بحكم مهنته التي امتهنها، فهو يعرف الجيد من الكتب، ويوصي زبائنه باقتنائها، شارحاً لهم مزاياها وندرتها، وهؤلاء من عامة الناس ومثقَّفيهم المولعين بالكتاب، الذين يهرعون لمكتبة رصيف بحثاً عن كتابٍ بعينه نفدت طبعته، فيجدون ضالتهم ويشترونها حتى وإن ظهرت آثار الزمن عليه من اصفرار أو غبار، أو عباراتٍ كتبها صاحبه على هوامشه، أو رغبةً باقتناء كتابٍ مضى على صدوره سنوات، فصارت قيمته في قِدَمه وليس في محتواه. يُشار إلى أن كلُّ هذا يجري إن لم تُهدَ المكتبة المنزلية إلى مكتبةٍ حكومية لتعمَّ الفائدة منها وتنتشر ــ إعارةً ــ على أكبرٍ عددٍ من القراء.
غير أن من أكثر ما يلفت النظر في كتب مكتبات الرصيف؛ هو ظهور عبارة إهداء على صفحتها الأولى من كاتبه إلى صديقٍ له أو قريب، أو حتى لقارئٍ عام، وقد يكون الكاتب الهادي أو المُهدى له من مشاهير الناس وأكابرهم، فيكتسب هذا الكتاب قيمةً إضافية تؤدي لرفع سعره.
أشير إلى أن مكتبات الرصيف تتركَّز بدمشق حالياً في منطقة جسر الرئيس حافظ الأسد وسط دمشق، قرب جامعة دمشق، وهي مستمرة بالعمل طوال أيام الأسبوع عدا يوم الجمعة، على حين كانت تتركز سابقاً في منطقة بوابة الصالحية، ولم تكن تمارس العمل إلا في يوم الجمعة.
ختاماً أقول: إن ما أوحى لي بكتابة هذه المقالة هو خبر وفاة أحد أشهر أصحاب مكتبات الرصيف مؤخراً، وهو المرحوم صلاح صلوحة، المتعارف عليه بلقب: «ورَّاق الشام»، الذي أشادت به مقالاتٌ عدة، ومنها مقالةٌ نُشِرت بصحيفة «الوطن» السورية، وهو الشخص الواقف في الصورة أمام مكتبته الرصيفية.

مقالات ذات صلة

Do NOT follow this link or you will be banned from the site!

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock