ثقافة وفن

الخط العربي فنُّ الفنون

| نبيل تللو

يقام في دمشق بين الفينة والأخرى معرضٌ للخط العربي لفنانين سوريين، في أحد مراكزها الثقافية، أو بصالةٍ من صالات عرض الفنون التشكيلية المختلفة من رسمٍ أو نحتٍ أو تصوير، وعند كلِّ زيارة لمعرض خط أنبهر بجماليات اللوحات المعروضة؛ بما تحتوي عليه من حروفٍ عربية التي هي جزءٌ من حياة الإنسان العربي رُسِمَت بعنايةٍ فائقة ودقَّةٍ متناهية، وتناسقٍ لافت وتناغمٍ مميَّز، متداخلةً بعضها مع بعض بشكلٍ يصعب قراءة كلماتها التي تبدو كالطلاسم والألغاز إلا بمساعدة الخطاط نفسه في هذه المقالة سوف أستعرض سريعاً تاريخ الخط العربي، وصولاً إلى الوقت الحاضر، راجياً أن يتذكَّر كرام القارئات والقراء ما نسوه، وأن يتعرفوا على ما لا يعرفونه.
والخط العربي يعتمد جمالاً وفناً على قواعد خاصة تنطلق من التناسب بين الخط والنقطة والدائرة، وتُستخدم في تنفيذه فنياً العناصر نفسها التي نراها في الفنون التشكيلية الأخرى، كالخط والكتلة، ليس فقط بمعناها المتحرك مادياً، بل بمعناها الجمالي الذي ينتج حركة ذاتية تجعل الخط يتهادى في رونقٍ جماليٍ مستقلٍ عن مضامينه ومرتبط معها في آن واحد.
يندرج الخط العربي بمجمله ضمن أسلوبين رئيسيين يضمَّان أربعة عشر خطاً، المستعمل منها فقط سبعة خطوط، لكلِّ منها تاريخ ارتبط بنشأته:
– الأسلوب الجاف أو القاسي: وتتجلَّى في رسم حروفه الرزانة والوقار، وتُستخدم الأدوات الهندسية لرسم زواياه القائمة، وقد استخدم في كتابة المصاحف الأولى وواجهات العمائر الضخمة والمساجد، وضرب النقود، وعُرِف فيما بعد بـ«الخط الكوفي» نسبة إلى مدينة الكوفة التي أُنشئت في عهد الخليفة عمر بن الخطاب على ضفاف الفرات في العراق، ومن أشكاله: الخط الكوفي الهندسي، والمزخرف، والمضفور، والمورَّق، والمشجَّر، والمزهر، وغيرها.
– الأسلوب الليِّن: وتبدو فيه الرشاقة الانسيابية في رسم الحروف، الذي يتحقَّق بـ«القصبة» الأداة الطبيعية التي تعزف أعذب الألحان عندماً تُستخدم ناياً، وترسم أجمل الحروف في مشق الخطوط، وأشهرها خط الثُلث الذي يُعَدُّ الأكثر صعوبةً من حيث قواعده، ويتصدَّر واجهات الأبنية المهمة وعناوين الكتب وآيات القرآن الكريم، وخط النسخ الذي يُعَدُّ الأكثر انتشاراً في عصرنا الحاضر، فهو خط الكتب المطبوعة لتمتعه بمرونة تجعل استداراته تخفف الزوايا الحادة، وخط التعليق الذي يتصف بالشاعرية في انسياب حروفه واستطالاته المريحة، ووصلاته المحلِّقة كطيران الطير، ويُضرب المثل بجماله الأخَّاذ الخالي من الزخارف والتزويق، والخط الديواني الذي يبدو وكأنَّ حروفه تتراقص على أنغامٍ موسيقية في حيويةٍ وحركةٍ دائمتين، ما جعله الخط العربي الأكثر تناسباً وتناسقاً، وخط الرقعة الذي يُعَدُّ من أسهل أنواع الخطوط العربية وأبسطها ضمن الأسلوب الليِّن، فقواعده سهلة، ويُستخدم في اللافتات واللوحات الإعلانية لسرعة إنجازه وسهولة قراءته.
ومن خلال هذين الأسلوبين الأساسيين، مع الزخارف المرافقة لهما، يستطيع الفنان إبداع نوعٍ من الإيقاع نتيجة التضاد بين الأجزاء والألوان، وما يحققه ذلك من إحساسٍ بصري بالنعومة والخشونة والتكامل الفني الناتج عن التوزيع الإيقاعي، مع تحقيق الوحدة في العمل الفني ككل، وهذا ما ساعد الفنانين العرب والمسلمين على استخدامه في تشكيل تحفهم على الخامات المتنوعة كالمعادن والخزف والخشب والرخام والجص والزجاج والنسيج والورق والروائع المعمارية، فكان الخط قاسماً مشتركاً لكلِّ الفنون العربية الإسلامية.
أعلام الخط العربي

اشتهرت المنطقة العربية على مدى تاريخها بعد الإسلام بظهور العديد من الخطاطين، ومنهم خالد بن أبي الهياج الذي اشتهر زمن خلافة علي بن أبي طالب وحتى خلافة عمر بن عبد العزيز، الذي كتب عدداً من المصاحف، ودوَّن الأخبار والأشعار، كما كتب بالذهب على جدار القبلة في المسجد النبوي في المدينة أربعاً وعشرين سورة ضمَّت ثلاثاً وتسعين آية من آيات القرآن الكريم.
ثم جاء الخطاط مالك بن دينار الذي كتب المصاحف بالأجرة، وتوفي سنة 131 هـ، وتبعه الخطاط الفذ «قطبة المحرر» الذي هو أول من حمل لقب «محرر»، وتوفي عام 154 هـ، ثم الضحاك بن عجلان وإسحاق بن حماد، اللذان كانا أستاذين بخط الجليل، ثم الخطاط المبدع «أبو علي بن مقلة» الذي وضع منهجاً للخط ورفعه إلى المستوى الفني، وتوفِّيَ عام 328 هـ.
واستمر الإبداع والتطوير على يد كثيرٍ من الخطاطين في أرجاء العالم الإسلامي كافة، ومنهم الوزير والشاعر والموسيقي في هراة وبخارى «مير علي» في القرن الخامس عشر الميلادي، وعماد الحسني في إيران، وحاد الآمدي في تركيا.

أعلام الخط العربي في الشام
كانت الشام صاحبة مدرسةٍ خاصة بها وضع أسسها «ممدوح الشريف» (1885- 1934م)، الذي أبدع في عددٍ من الخطوط، وكان أستاذ الخط في المدارس. ثم توَّج الخطاط الفنان «محمد بدوي الديراني» (1894- 1967 م) رسم ملامح خط عربي دمشقي أصيل، فكان خطه التعليق شامياً بإضافاته وتبسيطه. وعاصره الخطاط «حلمي حباب» (1909- 2000 م) أستاذ الخط في المدارس، الذي كتب الأسماء على شهادات الخريجين. وجاء بعد هؤلاء في خمسينيات القرن العشرين أستاذ الخط «نجاة علبي» وله لوحات جميلة.
وفي الفترة نفسها برز خطاطون تابعوا مسيرة الخط العربي، منهم: محمود هواري، أحمد المفتي، محمد الحداد، عدنان الشيخ عثمان، عثمان طه الذي خطَّ القرآن الكريم، محمد القاضي، أحمد الباري، محمد قنوع، عبيدة البنكي، شكري خارشو، وليد محيي الدين، منيني، زرزور، وكلهم حققوا شهرةً عالية.
ومع أن جهاز الحاسوب (الكومبيوتر) قد قدَّم خطوطاً جاهزة، فبدلاً من الكتابة يدوياً على لافتةٍ قماشية، صارت الآلة تعطي إعلاناً ملوناً باهراً على لوحةٍ بلاستيكية تضاهيها جمالاً وروعةً، ما حدَّ من مصدر رزق الفنانين المحترفين، إلا أن فنَّ الخط العربي، النابع من صميم الخطاط العربي وروحه، الذي يستنبط الأشكال والألوان والمعاني من عالمه الداخلي، المكوَّن أصلاً من ثقافته ومعاناته على مرِّ الأيام، لا يمكن أن يتفوَّق على خطِّ الكومبيوتر مهما بلغ من الدقة والمهارة.

مقالات ذات صلة

Do NOT follow this link or you will be banned from the site!

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock