قضايا وآراء

كما سقوط تفاحة نيوتن

| عبد المنعم علي عيسى

لا يلاحظ في الخط البياني الراسم لصعود الرجل أي تذبذب أو حال من الهبوط والصعود المتناوبين، والشاهد هو أن ذلك الخط كان يسير منذ أن بدأ يختط أولى خطواته مساراً صاعداً، والرافعة فيه هو نزعة هجومية اعتمدها منذ أن وضع نفسه تلميذاً مبتدئاً في مدرسة «الريغانية» مطلع الثمانينيات من القرن الماضي التي انغرست في رؤاه منهجاً وحيداً ناجعاً لاستمرار هيمنة الولايات المتحدة وانفرادها بالسطوة العالمية، وهو ظل أميناً لها في كل المواقع التي شغلها على امتداد ما يقرب من خمسين عاماً حتى 10 أيلول الماضي عندما خرج إلى العلن خلافه الأخير مع رئيسه دونالد ترامب ثم كانت الإقالة أو الاستقالة.
ليس مهماً إذا ما كانت رواية ترامب التي تشير إلى الإقالة هي الصحيحة، أم أن رواية جون بولتون التي تؤكد الاستقالة هي التي تمتلك تلك الصفة، طالما أن النتيجة واحدة، فبولتون بعد هذا التاريخ أصبح «صقراً» منكسر الأجنحة ولا قدرة له على الطيران، وربما كان ذلك هو «كسر» الموت الذي سيرميه هذه المرة في فراش «انتهاء الصلاحية» الذي لن يكون فيه قادراً على تقديم خدماته الجليلة لأميركا العظمى، أو أن هذي الأخيرة لم تعد اليوم بحاجة إلى خدماته وفق تعبير رئيسه الذي لم ينسجم معه يوماً ولا كان قريباً من رؤاه أو أفكاره، فالرجلان اختلفا في نظرتهما لكل الخطوات الكبرى التي اختطتها البلاد منذ أن أمسكت ببسطار نظام القطبية العالمي الأوحد تهش به على هذا وتنهر ذاك أو ترفعه لتؤدب به آخرين ثم تستخدمه في أحايين عدة لتهش به على «الغنم» كيلا يبتعد فتفترسه الذئاب.
هناك ساسة رفيعون حددت أيديولوجياتهم التي اعتمدوها بصلابة لا تلين حدود دورهم، وعبرها وجد هؤلاء طريقاً وحيداً إلى دكة الاحتياط، فالشرنقة تحمي الكيان في مواجهة ظروف غير مناسبة وهي عادة تؤمن لهذا الأخير فرصة للنشاط من جديد عندما تتغير هذي الأخيرة وتصبح مناسبة، لكنها بالتأكيد لا تستطيع أن تقوم بالفعل نفسه في مواجهة ظروف أعتى، فكيف والحال إذا ما كانت في مواجهة الجيل السادس من أجهزة الطرد المركزي القادرة على تهشيم حوافها ومن ثم قتل المحتمي في دواخلها، أو كيف الحال إذا ما وجدت نفسها أمام «الثلاجة» الفنزويلية التي فرضت على ما بداخل الشرنقة أن يبقى بداخلها فلا يغادرها، والحال عينه هو ما وجدته الشرنقة أيضاً في المناخات الكورية التي مرت بها في أتون تمرحلها القاضي بالوصول إلى طور الفراشة الذي لم تصله على الإطلاق.
كان تعيين بولتون في منصبه كمستشار للأمن القومي الأميركي في آذار من عام 2018 هو الثالث من نوعه بعد أن خلف الجنرال إتش آر مكمانستر الذي خلف بدوره مايك فلين الذي لم يبق في منصبه سوى 24 يوماً فقط، وهذا أمر يشير في الحالتين الأخيرتين إلى صعوبة التساكن بين فلين ومكمانستر وما يمثلان وبين ترامب الماضي في استعادة الدولة العميقة المسروقة من بين أيدي الـCIA وجنرالات البنتاغون، لكن في الحالة الثالثة، أي حالة بولتون، كان الأمر مختلفاً، فقد كان صراعاً مع مسار تحولي بدأت محطاته مع «الريغانية» ثم مرت بـ«المحافظين الجدد» قبل أن تحط رحالها مع «الإنجيليين»، وعبر هذي المحطة الأخيرة كانت التلاقيات بين بولتون وترامب التي أثمرت عن الاعتراف بالقدس عاصمة لكيان الاحتلال وكذا الاعتراف بضم هذا الأخير للجولان السوري المحتل وصولاً إلى «صفقة القرن» التي يبدو وكأنها تستعد لتسجيل رقم قياسي للقفز بالزانة المتمثل بإمكان ضم أجزاء من غور الأردن.
بولتون لم يكن يمثل ظاهرة فردية وإنما كان تعبيراً عن نزعة طاغية شكلت تياراً واسعاً في الشارع الأميركي نشأت في أعقاب الشعور بفائض القوة الذي نجم عن السقوط المدوي للاتحاد السوفييتي مطلع التسعينيات من القرن الماضي، كانت هناك العديد من المواقف التي عبر عنها الرجل في هذا الاتجاه فهو القائل بأنه لا يوجد هناك شيء اسمه الأمم المتحدة، وأن مبنى هذه الأخيرة في نيويورك يرتفع لـ38 طابقاً ولن يحدث شيء إذا ما أنقصنا ذلك الارتفاع 10 طوابق، ثم قال: إن من الخطأ أن نعير المزيد من الاهتمام للقانون الدولي، ولذا فإن سقوطه يعتبر نهاية لمسار عبر عنه بوضوح وزير الخارجية الألماني هايكو ماس يوم 11 أيلول عندما أعرب، وفق ما نقلت عنه قناة «روسيا اليوم»، عن أمله بأن تؤدي إقالة بولتون إلى إنجاح الجهود المبذولة لحل الأزمة الراهنة مع إيران.

مقالات ذات صلة

Do NOT follow this link or you will be banned from the site!

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock