من دفتر الوطن

دستور

| زياد حيدر

في جلسة خاصة قديمة، حضرتها للباحث الموهوب والكبير الراحل برهان بخاري، تحدث الرجل عن مشروع توثيقي كان يرهقه.
كان الرجل المعروف بقدرته الاستثنائية على الابتكار والبحث، يفكر بعمل توثيقي طويل، عن العرب.
العرب، كنشأة، وتطور وامتداد، من رحلة الصحراء الأولى لأبي العرب إسماعيل وصولاً لنصب الخيام، وتحويلها لبيوت طينية بمراحل الحضارات المتعاقبة لممالك لحيان وكندة، ومن ثم غزو العالم متسلحين برايات الدين الجديد، حتى نكباتهم الأخيرة.
العمل الذي كان يفترض أن يغطي ما يزيد على ألفي عام، من التوثيق الأكاديمي، ولاحقاً العرض الفيلمي، إذ كان بخاري كثيراً ما يردد تخيله للعربي الأول يمشي غارزاً قدميه برمل الصحراء وخلفه عشيرته، كما حصل مع كل قبائل الأرض يوماً ما.
لم يخرج المشروع للنور، لأسباب عديدة، لكن فكرة «الأصل» ظلت تراودني، كشخص يراقب العالم من حوله.
وكثيراً ما شاركت كغيري بالجدل التقليدي، حول أيهما أهم: أن نكون متأصلين بكل ما تعنيه هذه الكلمة من جذور متشابكة، أو متحررين من كل تلك التشابكات، التي وإن شاركت بصنعك، فإنها لا تسهم بالضرورة في تطويرك؟
الغنى الثقافي، والتنوع الإثني والديني والمذهبي، والتعدد القبلي والعشائري، هل هو أفضل من الاختلاف السياسي، بالمعنى الإيديولوجي للكلمة؟
هذا إن افترضنا أننا نتحدث عن بيئة ثقافية تستطيع الفصل بين المستويين.
في دروس أقدمها في إحدى الجامعات الغربية، سألت نفسي إن كان تقديم الصحفي العربي، يصلح له تعريف محدد؟ فالصحفي في النهاية سواء كان من طرف السلطة أم المعارضة أم بينهما، هو مواطن يأتي من البيئة التي تربى فيها.
فما بيئتنا؟ يمكن البدء من فوق نزولاً ويمكن العكس.
لنبدأ من فوق، نحن قوميون، هويتنا عربية جامعة لأننا نعود لسلالات العرب الأوائل، وعلى فرض أننا فينيقيون كما يحلو للبعض أن يقول، إلا أن هذه القومية ليست موجودة الآن.
تحت الغطاء العربي، نحن سوريون. هل هذا يكفي؟ تحت هذه الهوية الوطنية الجامعة ما التناثرات الدينية والإثنية؟ يمكن إحصاء خمس قوميات أو انتماءات إثنية أخرى في سورية على الأقل، وثلاثة أديان سماوية طبعاً، من دون حساب أعداد الذين يعتقدون أو يجاهرون بأنهم غير منتمين دينياً.
تحت المستوى السابق، على المستوى الديني، كم مذهباً موجوداً ضمن كل دين؟
وضمن كل مذهب ما مدى التنوع القائم سواء كان هذا التنوع تشابكياً وينفي حقوق الآخر أم تصالحياً؟
كثيرة بالطبع، يضاف إليها المستوى التالي المتمثل بالقبيلة، وفي سورية ما يزيد على ثلاثين قبيلة موجودة في مناطق متنوعة من البلاد، وهي انتماء سواء أعجبنا قول ذلك، أم لا، وداخل كل قبيلة، تتوزع العشائر في بطون وأفخاذ وأطراف، لتكون وحداتها العائلية الصغرى، وهي وحدات ليست صغيرة إن قورنت بالطبع بالوحدة الأصغر المتمثلة بالأسرة، كما في باقي مجتمعات العالم، ولاسيما الحديث.
ويأتي بعد كل هذا الفرد- أي الأنا- فالأنا نهاية الخيط المعقد في بكرة هائلة من الخيوط الملونة، الخشنة والناعمة، السميكة والرفيعة.
كل هذا يكون الصحفي فينا، ويكون القاضي، ويكون الضابط، والجندي والمسؤول، وموظف الإدارة، لذا في خضم الحديث عن الدستور، أتساءل من نحن؟ سؤال علينا أن نجيب عليها، إن كنا نريد أن نخطو خطوة نحو المستقبل.

مقالات ذات صلة

Do NOT follow this link or you will be banned from the site!

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock