ثقافة وفن

نحن لا نصنع التاريخ بل التاريخ يصنعنا … أوغاريت عاصمة الثقافة والفنون ومركز التجارة العالمية

| المهندس علي المبيض

تعتبر سورية من أكثر بلدان العالم التي تنوعت فيها الحضارات والمواقع الأثرية والمعالم التاريخية ومن هذه الأرض الطاهرة كانت بدايات الإنجازات الحضارية الكبرى التي صنعها السوريون بجهودهم وطموحهم وتراكم خبراتهم وانفتاحهم على الآخرين، وفي معرض استعراضنا لبعض ملامح التاريخ السوري فإننا نؤكّد أن تاريخ أي أمة إنّما هو وسيلتها لتأكيد ذاتها وهويتها وخصوصيتها ووسيلتها وفي الوقت ذاته للدفاع عن كيانها ووجودها، لأنه وببساطة نحن لا نصنع التاريخ بل التاريخ هو الذي يصنعنا…. والسوريون يعتبرون أنفسهم أبناء هذه الحضارات وورثتها بدءاً من أول ظهور بشري في هذه المنطقة ومروراً نحو أفق لا محدود يتمحور حول الإنسان، وفي أوغاريت التي قدمت أول الألوان وأول مدونة موسيقية استطاع السوريّون أيضاً أن يقدموا للعالم بأسره العطاء الأغلى والأهم وهو أول أبجدية عرفتها البشرية ومن أوغاريت أبحرت السفن الفينيقية إلى قرطاجة وإلى بقية أصقاع الأرض ناشرة الحضارة في أرجاء المعمورة.

كتب سابقاً عن مملكة أوغاريت الكثير وسيكتب الكثير أيضاً في المستقبل فالحديث عن أوغاريت حديث شائق وممتع وزاخر بالإنجازات الحضارية المشرّفة فهي تعتبر من أقوى وأهم الممالك السورية القديمة التي قامت في الحوض الشرقي للبحر الأبيض المتوسط وتعتبر بحق بوابة الشرق نحو الغرب بسبب موقعها الإستراتيجي المهم، عاصمتها مدينة أوغاريت (رأس شمرا) وتقع على بعد 12 كم شمال مدينة اللاذقية، وتتوضع أوغاريت فوق هضبة أثرية على شكل شبه منحرف تبلغ مساحتها نحو 300000 م2، وقد بيّنت التنقيبات الأثرية أن موقع رأس شمرا يشمل نحو 20 سوية أثرية «استيطان» تعود إلى حقبة 7500 ق. م إذ تعود أقدم منشآت تل رأس شمرا المكتشفة إلى العصر الحجري الحديث أي إلى الألف السابع قبل الميلاد وتقع في القسم الشمالي من التل، إلا أنه ومع زيادة الاستيطان تطوّرت المدينة وازدهرت في الألف الثاني قبل الميلاد كمدينة كنعانية أدت دوراً مهمّاً في الحياة السياسية لشمال سورية لتشكّل ما عرف باسم أوغاريت، ورد ذكر أوغاريت في وثائق مملكة ماري عام 1800 ق. م كما ذكرت في رسائل تل العمارنة التي يعود تاريخها إلى القرن الرابع عشر قبل الميلاد بصفتها مركزاً تجارياً ومرفأً مهماً على البحر المتوسط، لذلك فإن بإمكاننا القول إنه وإن كان اسم أوغاريت يعود إلى الألف الثاني قبل الميلاد غير أن أوغاريت كانت تضج بالحياة منذ الألف السابع قبل الميلاد ويعتقد أن اسمها مشتق من كلمة أوغار التي تعني الحقل باللغة السومريّة.
منذ عام 1929 م وهو العام الذي اكتشفت فيه مملكة أوغاريت والاكتشافات المذهلة تتوالى من حينها وحتى اليوم والتي أدهشت العالم بعظمة وحضارة أوغاريت، فبالإضافة إلى أنها قدمت للبشرية الأبجدية الأولى والتي أحدثت نقلة حضارية كبيرة جداً، إلا أن اوغاريت كانت ملتقى الشعوب والحضارات وشكّلت بحكم موقعها الإستراتيجي على ساحل البحر الأبيض المتوسط مركزاً تجارياً عالمياً، وكانت تعتبر صلة وصل بين بلاد مابين النهرين والإمبراطورية الحثيّة ومصر واليونان وقبرص، الأمر الذي دعا العديد من الجاليات الأجنبية للإقامة فيها بغية مزاولة الأنشطة التجارية وتسهيل التعاملات المرافقة لهذه الأنشطة وعلى أكمل وجه، وانطلاقاً مما ذكر فقد أصبحت أوغاريت مركز استقطاب تجارياً مهماً ولاسيما مع منطقة حوض المتوسط، وتطورت في تلك الفترة التجارة في قطاع الصناعات المعدنية حيث كانت تجارة المعادن فيها مزدهرةً جداً إضافة للمنتجات الزراعية وصناعة الحلي والتماثيل والأواني المنزلية والأختام الأسطوانية وبعض أنواع الأسلحة وغيرها.. امتلك أبناء أوغاريت خبرة تراكمية كبيرة في الصناعة بأنواعها الرائجة في تلك الفترة وأدّى ذلك إلى غزارة في الإنتاج ووفرة في البضائع ما استدعى بالضرورة قيام تجارة نشطة والترويج الجيد لتلك البضائع وتسويقها وإيجاد أسواق تصريف جديدة، ولما كانت أوغاريت مدينة ساحلية فقد توجه أبناؤها مباشرةً إلى البحر واحتاج ذلك لوجود سفن تجارية أوصلتهم إلى شتى أصقاع العالم وامتلكوا عبر الزمن خبرات واسعة وتطور بسبب ذلك علم الملاحة والفلك.
كان الاعتقاد السائد سابقاً لدى بعض الباحثين أن الساحل السوري يضمّ آثاراً رومانية وإغريقية فقط، لكن اكتشاف رأس شمرا أكد أن هذا الموقع غني جداً بآثاره التي تعود إلى العصور الحجرية، وأنّ أوغاريت شكّلت المدينة الكنعانية الكاملة، وأن التلال المحيطة بها والتي تجاوز عددها ثلاثين تلاً برهنت أن هذه المدينة كانت مركزاً لمواقع أخرى عديدة شكّلت موطناً لمملكة مهمة على الساحل السوري، عاش فيها الإنسان منذ آلاف السنين خلال جميع مراحل العصر الحجري الحديث وكوّن نواة السكان الذين أقاموا حضارة أوغاريت، كما أن شعوباً أخرى هاجرت إليها من بلاد الرافدين وسواها حيث وفدت على أوغاريت أقوام عديدة متنوعة من شعوب المناطق القريبة كالحوريين والحثيين أثّروا وتأثّروا بالأحداث التي وقعت في أوغاريت وكانت مدينة أوغاريت مقراً للسلطة التي حكمت هذه المملكة الممتدة من جبل الأقرع حتى جبلة وفيها عثر على القصر الملكي وعلى الأبنية الدينية والأحياء السكنية والصناعية، كما تم العثور فيها على آلاف الألواح الطينية مكتوبة باللغة المسمارية وبلغة أوغاريت.
أقامت أوغاريت علاقات جيدة مع الممالك المحيطة بها ونشطت التبادلات التجارية مع شواطئ إيجة وقبرص كما كانت في ذلك الوقت تربطها مع حضارة مصر القديمة علاقات جيدة على المستويات الثقافية والتجارية ما يدلّل على تكافؤ مستوى الحضارتين، ولقد كان فرعون مصر يقدم لملك أوغاريت العديد من الهدايا الثمينة من تماثيل عاجية وتحف فنية تحمل كتابات ورموزاً مصرية أو اسم الملك الذي قدم الهدية، حيث تم العثور على قلادة نقش عليها اسم الملك سنوسرت الأول.
بلغت مملكة أوغاريت عصرها الذهبي ووصلت إلى قمة ازدهارها في منتصف الألف الثاني قبل الميلاد وبلغت شأناً عالياً ومرموقاً حيث بلغ عدد سكانها أكثر من ستين ألف نسمة وتكلم أبناؤها بأكثر من تسع لغات، وامتدت سلطة مملكة أوغاريت في القرن الخامس عشر قبل الميلاد لتشمل نحو مئة قرية ويمكننا القول: إن أوغاريت تمثل خلاصة التجربة الحضارية القديمة وصلة وصل بين حضارات الشرق وحضارات الغرب وقد أتاح لها موقعها الساحلي لتكون محطة للبضائع القادمة من الشرق إلى الغرب أو العكس ومن الجنوب إلى الشمال وبالعكس، كما أن وفرة الأراضي الزراعية الخصبة المحيطة بها وغزارة الأمطار أديّا لجعل أوغاريت بلداً غنياً بالمنتجات الزراعية كالزيتون والعنب والحبوب ومركزاً رئيسيّاً لإنتاج الزيت والنبيذ وتصديرها إلى البلدان المطلّة على حوض البحر المتوسط وبالتالي أدت هذه الأنشطة والحركة الزراعية والصناعية والتجارية إلى خلق فرص عمل وزيادة دخل ساكنيها.
بهذه المواصفات تميّزت أوغاريت وشكّلت نقطة جذب للإنسان السوري القديم والذي حرص على استيطانها منذ الألف السابع قبل الميلاد، كما عكست المباني المهمة الموجودة فيها مستوى الازدهار الذي وصلت إليه ومن هذه المباني القصر الملكي الذي اكتشف فيه الوثائق الملكية مكتوبةً على رقم طينية وضم القصر أكثر من مئة صالة وغرفة للكاهن ومسكن الحاكم العسكري ومسكن الملكة الأم، ويتميز القصر بأسلوب ومواصفات العمارة السورية ويتبع للقصر الإسطبل الملكي وفي القسم الغربي من المدينة مازال السور واضحاً ويمتد خلف القصر الملكي.
تتكون مدينة أوغاريت من الحي الجنوبي والحي الشمالي الشرقي أو المدينة المنخفضة والحي الغربي وحي المعابد الذي يتضمن معبد دجن ومعبد إيل والمكتبة، أما المعبدان الرئيسيان فيها فيعودان إلى الألف الثاني قبل الميلاد وتم تشييد أبنية سكنية بين المعبدين للكهنة ضمت مكتبة دينية عثر فيها على أول النصوص الخاصة برأس شمرا كما يضم مستودعاً عثر فيه على 72 قطعة سلاح والأدوات البرونزية التي تمثل قرباناً قدمه الحرفيّون الذين يعملون في صناعة البرونز، وعثر أيضاً خلال التنقيبات التي تمت في أوغاريت على الكثير من القطع الفنية واللقى الأثرية منها أختام أسطوانية وأوزان وقلادات ومجموعة من الأثاث المطعّم بالعاج وتماثيل تمثل مشاهد ورموزاً دينية كانت سائدة في تلك الفترة ومجموعة كبيرة من الرقم أي الألواح الطينية بعضها مدموغ بخاتم لأنه يحوي مرسوماً ملكياً أصدره الملك الحثي تود خاليا الرابع ينص على أن الملك يحكم باسم الشعب، كما بينت تلك الألواح الطينية سيادة القانون وبعض القواعد التي نظمت العلاقات الاجتماعية والمالية بين الناس والتي غالباً كانت تستند إلى العادات والتقاليد المتبعة بالمجتمع في ذلك العصر ومن أشهر الألواح الطينية المكتشفة في أوغاريت رقيم طيني نقشت عليه أغنية غزلية تقول كلماتها إن الحب والدعاء يختلطان.
ويعتبر من أهم الاكتشافات التي تمت في أوغاريت العثور على رقم صغير دونت عليه أبجدية أوغاريت أول أبجدية عرفتها البشرية في التاريخ.
وبالنتيجة يمكننا القول: إن الموقع الجغرافي المميز لأوغاريت على الساحل السوري والبيئة الغنية التي أحاطت بها انعكسا إيجاباً على مختلف نواحي الحياة وجعلها بحق عاصمة التجارة العالمية في تلك الفترة البريّة والبحريّة وكانت أوغاريت بسبب ذلك قوة اقتصادية أكثر من أنها قوة عسكرية.
مستشار وزير السياحة

مقالات ذات صلة

Do NOT follow this link or you will be banned from the site!

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock