قضايا وآراء

الكرد.. «بندقية للإيجار»

| عبد المنعم علي عيسى

من الواجب، والبلاد تتعرض للقفزة التركية الثالثة التي مثلها إطلاق الرئيس التركي رجب طيب أردوغان لعملية «نبع السلام» يوم الخميس الماضي، فيما شقيقتاها السابقتان كانتا في آب 2016 والتي أطلق عليها اسم «درع الفرات» وفي شباط 2018 التي سميت «غصن الزيتون»، من الواجب القول: إن الأطماع التركية كانت واضحة المعالم منذ صيف عام 2012 عندما طالبت أنقرة بـ«منطقة آمنة» على حدودها الجنوبية مع سورية، آنذاك لم تكن «قوات سورية الديمقراطية» موجودة، إلا أن ذلك لا يلغي التأكيد أن هذه الأخيرة قد شكلت الذريعة الأهم للقفزة التركية الراهنة، والتي من الصعب الآن التكهن بما ستفضي إليه وان كانت المؤشرات توحي بنزعة جامحة يشتم منها الحنين إلى «الميثاق الملي» الذي تبنته تركيا في العام 1920 والذي يقضي باختصار ببسط النفوذ التركي في كل من الشمالين السوري والعراقي، فيما كل المواقف الدولية لا تبدو على أنها بصورة مطمئنة وما يفوح من العديد منها يثير عواصف من القلق وهي كافيه للقول: إن الوضع الدولي يبدو وكأنه بات يعيش للمرة الأولى منذ أكثر من قرن حالة استعداد لإدخال تعديلات على اتفاقية سايكس بيكو 1916 ذائعة الصيت بعد أن فشلت كل المحاولات السابقة بدءاً من محاولة ضم الكويت للعراق 1990 ومروراً بمحاولة إنشاء دويلة داعش الإسلامية 2014 ووصولاً إلى محاولة الانفصال الكردية التي مثلها استفتاء كركوك العام 2017.
في السياسات الراسمة لإدارة أي صراع سياسي من النوع الذي تديره تركيا راهناً في الشمال والشرق السوريين، هناك ثلاثة عوامل محددة تبنى عليها القرارات التي تحدد الأهداف البعيدة المرجوة من ذلك الصراع، أولها المزاج العام الذي يغوص عميقاً في تاريخ وثقافة المجتمع، وثانيها فهم القيادة لتوازنات القوة الراهنة وما هي حدود الممكن فيها، أما ثالثهما فهو جموح الخيال الذي يجب ألا يغيب في حالات كهذه وفيه يجب أن ترسم الحدود الفاصلة ما بين «المقامرة» وبين «الخطوات المحسوبة» التي تلحظ على الدوام خططاً بديلة لتلافي العثرات التي لا بد لأي مخطط من هذا النوع أن يتعرض لها.
في استعراض يهدف إلى مطابقة العوامل السابقة مع الواقع الراهن للعملية التركية يمكن القول: إن المزاج التركي المشغول عليه على امتداد القرن المنصرم يعيش «تفهماً» واضحاً إن لم يكن يؤيد في غالبيته الساحقة تلك العملية وهذا يمكن تلمسه عبر مواقف الأحزاب والنخب السياسية التي غابت فيها أو تلاشت أصوات المعترضين، وفي الحالة الثانية فإن من المؤكد أن القرار التركي قد جاء في لحظة سياسية تلاقت فيها مواقف الدول الفاعلة مع الأهداف التركية، أقله في المضمر، فالموقفان الأميركي والروسي يبدوان متنافسين على إرضاء أنقرة حتى أن كليهما رفضا طلباً للعديد من الدول للتنديد بالحملة التركية وكان المخرج هو إعلان الدول الـ15 التي يتكون منها مجلس الأمن عن «قلقهم» مع التشديد على وحدة واستقلال سورية، أما إيران فهي تبدو أقرب إلى الارتياح لضرب العلاقة الرحمية ما بين حزب الاتحاد الديمقراطي الكردي السوري وحزب الحياة الحرة «بيجاك» الذي يمثل الطبعة الإيرانية لحزب العمال الكردستاني، مواقف الدول العربية كانت هزيلة والبيان الذي أصدره اجتماع وزراء الخارجية العرب الطارئ في القاهرة يوم السبت الماضي كان يمكن أن تصدره أي وكالة أنباء تابعة أو ممثلة لأحد المجتمعين، وقد اكتفى البيان بالتلويح بتهديدات لن يكون بمقدور مطلقيها وضعها موضع التنفيذ، وما قام به وزير الخارجية المصري سامح شكري عندما استقبل وفداً من «مجلس سورية الديمقراطية» قبيل بدء الاجتماع يمثل بالتأكيد طعناً للسيادة السورية التي أكد أن بلاده متمسكة بها، أما ثالثة الأثافي فكانت عندما أكد للوفد، وفق ما ذكرت وكالات، حق من اجتمع بهم في «الدفاع عن النفس» الذي تتيحه المادة 51 من ميثاق الأمم المتحدة، والمؤكد أن فعل التنديد بالعدوان لدى العديدين لم يكن حباً بـ«علي» لكن كرهاً بـ«معاوية» فمصر تعيش حالة عداء مع نظام أردوغان بدا متحفزاً في الآونة الأخيرة على خلفية الاحتجاجات الأخيرة في مصر والموقف التركي منها، أما السعودية ومعها الإمارات، فقد كان موقفاهما نابعاً من تلمس الخطر الذي يتهدد إمساكهما بالورقة الكردية التي تعتبر لكليهما مفتتاً، أو مضعفاً، لكيانات أربعة هي في مجملها تعتبر منافساً إقليمياً لدوريهما، ووحده كان الموقفان الجزائري والعراقي مما يستحق وصفه بأنه جاء في سياق السياسات الرامية إلى إحياء التضامن العربي الشعار الذي اصطلح على المناداة به بعد زوال مد القومية العربية الذي تلاشى بشكل ملحوظ في أعقاب خروج مصر من الصراع نهائياً العام 1979، أما فيما يخص العامل الثالث، أي جموح الخيال، فإن أردوغان لا ينقصه ذلك هذا إن لم يمكن قد تخطى تلك الحالة إلى نظيرة مرضية لها.
من المؤكد أن الأزمة السورية قد دخلت، ومعها كامل المنطقة، منعرجاً خطراً سوف يرخي بظلاله الثقيلة على تطوراتها وفي الذروة منها التسوية السياسية التي أطلقها الإعلان عن «اللجنة الدستورية» والتي قيل إنها ستبدأ أعمالها في اليوم الأخير من هذا الشهر في جنيف، والراجح أن هذا التاريخ الأخير لن يشهد تلك العملية قياساً إلى معطيين اثنين أولاهما أن أحد أطراف الثلاثي الضامن لأستانا ينفذ غزواً لأراضي الدولة التي يفترض أن يكون ضامناً للتسوية السياسية فيها، وثانيهما أن التوافقات التي أدت إلى إطلاق عمل اللجنة باتت اليوم متغيرة ما بعد الغزو التركي للشرق السوري وفي الذروة منها هو تهتك مذكرة «منع الاحتكاك» الموقعة ما بين الروس والأميركيين أيار من العام 2018 التي جرى التوافق فيها على أن يكون نهر الفرات تماسياً ما بين الطرفين.
ما لم تكن هناك توافقات كبرى متفق عليها وبضمانات كبرى ما بين الدول الكبرى فإن المشهد السوري الراهن سيصبح أمام منعطف هو الأخطر منذ بدء الأزمة السورية، بل المنطقة بأكملها ستكون على موعد مع برميل البارود الذي لن تكون الطبعة السورية إلا مقدمة له، فترامب وبتغريدة واحدة أطلقها في 9 من الشهر الجاري نسف علاقة تحالف عميقة مع دول مهمة في المنطقة وفيها اعتبر أن «التدخل الأميركي في الشرق الأوسط كان أسوأ قرار قد اتخذ في تاريخ الولايات المتحدة الأميركية» ثم أضاف: «إن النزاعات في الشرق الأوسط كلفت الولايات المتحدة 8 تريليونات دولار» قبل أن يصف الصراع الدائر في المنطقة بأنه ذو «جذور قبلية» وكأن صراعاً دار على امتداد سبعة عقود بعد احتلال ارض وتشريد شعبها هو صراع قبلي، باختصار هنا يمكن القول إن الكلام «للجارة» لكي تسمع «الكنة» والانسحاب الأميركي بطبعتيه المؤجلة أواخر كانون الأول الماضي والمثبتة جزئياً ما بعد 9 تشرين الأول الجاري ما هو إلا مقدمة لانسحابات كبرى تبدو مقدماتها حاضرة وهي تشي بالمزيد، صحيح أن ذلك كله يأتي في سياق رؤية أميركية لإدارة الصراع مع الصين إلا أنه يلحظ في حيثياته انعدام فعل التهديد الذي كانت تعيشه إسرائيل في المرحلة الماضية، ولربما كان ذلك إطلاقاً لمشروع «إسرائيل الكبرى» من دون أن يكون الفعل ذا تصريح مباشر.
لا يوجد في تاريخ المنطقة الحافل بالصراعات والحروب والمآسي، شعب عانى من كل هذي الأخيرة أكثر من الشعب الكردي فهو عرفها على الدوام بأضعاف باقي نظرائه، وذلك عائد بالتأكيد إلى «عته» السياسات التي مارستها قياداته، وهي كانت على الدوام تظهر نجاحاً واحداً فحسب هو مراكمة الأخطاء التي غالباً ما كانت تقود إلى مزيد من «التيه»، لم يفهم الأكراد عبر التاريخ بدءاً من ثورة الملا سعيد بيران 1925 على نظام أتاتورك إلى اليوم، هم كانوا سباقين في تجارب الاستنساخ لتجربة استنساخ النعجة «دوللي» بعقود وعقود، كانوا على الدوام «بندقية للإيجار» تبحث عن فرصة للعمل ولا تريد التوقف ولا هي تطيق الشغور الوظيفي.
يتحمل الأكراد اليوم مسؤولية كبرى تجاه ما جرى وسيجري، وتداعيات ذلك ستصب بالدرجة الأولى على مصائرهم التي يصعب بعد اليوم التكهن بما ستؤول إليه، وإذا ما كان محمود درويش قد رصد حالة التيه الكردي الأزلي بقصيدة كانت بعنوان «الأكراد لهم الريح» فنحن نقول إن الأكراد لهم الوطن والعيش تحت سقوفه يقتضي غياب «نفس الندية» الذي حاولوا أن يمارسوه إبان مفاوضاتهم مع دمشق والأخص منها تلك التي جرت بعد قرار الانسحاب الأميركي أواخر العام الماضي.

مقالات ذات صلة

Do NOT follow this link or you will be banned from the site!

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock