ثقافة وفن

واقع الفن التشكيلي الإيراني بعين الفنان السوري … السفير تركابادي: الفن شيء وجودي يذوب في بحر الجمال أوجده الإنسان ليبقى

| جُمان بركات

المينياتور هو فن إيراني يحاكي أسطورة ذات طبيعة أدبية، يخاطب القصة كنص أدبي بأدوات بصرية تتضمن الرقش والزركشة ويتصف دائماً بالعرفانية، ويمتزج هذا الفن مع الخط ليعرف بفن المنمنمات التي تعتبر نوعاً من الولوج في عالم الغيب، والفنانة السورية ريم قبطان الأسطه تتقن بعض أنواع الخطوط وتميل نحو الزخرفة، وأقامت معرضها الفردي الثاني بعنوان «مينياتور دمشقي» (خط، زخرفة، منمنمات) في المستشارية الثقافية لسفارة الجمهورية الإسلامية الإيرانية في سورية.

نسيج بصري
وفي حديثها عن المعرض قالت الفنانة ريم قبطان:
لفت نظري خلال البحث والاطلاع فن المنمنمات لكونه يحقق المزج بين الكتلة الزخرفية التقليدية على مختلف أشكالها مع العناصر البشرية في حالة الدمج بين الأشخاص والطيور والنباتات، وهناك نسج جميل يضفي للعالم صفة وجدانية تميزها عن باقي الفنون، وهذا ما يدعى فن المينياتور أو فن المنمنمات الفارسية، هناك الكثير من الفنانين الإيرانيين اشتهروا بهذا الفن مثل محمود فرشجيان ومن المزخرفين أحمد نباتي، وهناك الكثير من المبدعين، وأنا كفنانة سورية وابنة دمشق أحببت تقديم عمل أعكس من خلاله إطار فن المينياتور ببيئة دمشقية، رسمت الحارة الدمشقية بأشخاصها ولباسهم في الحارة الشعبية، وتناولت البيت الدمشقي من البحرة للنافذة والحمام الأبيض الذي يخص مدينة دمشق، ودعمت بعض اللوحات بالكتابات لأن فن المينياتور يحتمل وضع جمل توضح معنى اللوحة واخترت أبياتاً من شعر نزار قباني، والقسم الآخر من اللوحات عبارة عن معلقات فيها خط وزخرفة مع رسومات، ولوحات يغلب عليها التكوين الخطي مع زخارف تناسب كل نوع من أنواع الخط بحيث يتم تشكيل نسيج بصري لا يطغى فيه الخط على الزخرفة.
جسر التواصل

«واقع الفن التشكيلي الإيراني بعين الفنان السوري» عنوان الندوة التي أقيمت بعد معرض الفنانة، والتي تحدث فيها السفير الإيراني جواد تركابادي عن الفن بالقول: عندما يقدم الإنسان الفن ليس لكي يعيش وإنما ليبقى، الفن هو التعبير عن وجود الإنسان وشعوره وليس ليأكل ويشرب، الفن شيء وجودي يذوب في بحر الجمال، وعندما زرت المعرض تبادر إلى ذهني القول: إن جسر التواصل المعنوي الذي تخلقه هذه اللوحات هو الأثر العظيم الذي يجب أن نستقيه ونجلله.

رسالة ثقافية
وبدأ الندوة المستشار الثقافي الإيراني صالحي نيا بالقول: على مائدة الفن والثقافة، إقامة المعرض هو بمنزلة محاولة لتعميق وتثبيت جسور التواصل الثقافي بين إيران وسورية، دون أن يخفى على أحد أن هناك غياباً مقصوداً وممنهجاً للنشاطات والتقدم الثقافي والعلمي والتقني للدول المقاومة في الإعلام الغربي والعالمي الذي يحاول التصوير للرأي العام العالمي بعدم وجود نشاطات وفعاليات ثقافية وعلمية وفنية في دول المواجهة، وكل ما يصوره الإعلام هو حالة الحرب والقتال، نحن في نشاطنا هذا نريد إرسال رسالة مفادها أن لنا حياتنا الثقافية والفنية والعلمية.

مزاوجة
وبدوره تحدث د. إحسان العر عميد كلية الفنون في جامعة دمشق ورئيس اتحاد الفنانين التشكيليين بالقول:
واقع البعد السياسي والجغرافي بين العالم العربي والإيراني هل سببه بعد المسافة أم هناك جهل ثقافي إيراني لدى بعض المثقفين السوريين والجهل ذاته لدى بعض الإيرانيين، لذلك يجب وضع حدود واضحة لهذا الاختلاف وليس الخلاف، فعند تسليط الضوء وتحديد المحاور الأساسية نستطيع التحاور ضمن ثقافة الاختلاف في وجهات النظر التي توصلنا إلى فن معروف للطرفين ذي هدف واحد وهو المقاومة التي يرسمها الفنان السوري والإيراني، وفي الحقيقة من الضروري وجود تماه ثقافي بين اللغة العربية والفارسية، إضافة إلى منصات ثقافية لتلاقي هاتين الحضارتين على صعيد اللغة والترجمة والموسيقا تجمع الفنان السوري والإيراني.
وأضاف: قبل الحرب العالمية الثانية ظهرت وتوجهت معالم الفن الإيراني نحو التغريب أو الغرب لكن الشيء الذي ترفع له القبعة أن الفن الإيراني عاد إلى المنمنمة، وكما هو معروف أن الانطلاق نحو العالمية يبدأ من الموروث الثقافي والاعتماد على المنتج الداخلي، وفن المنمنمات حافظ على الفن الإيراني ومثلته كهوية.
في الواقع، الفن التطبيقي الإيراني هو الأول على الصعيد العالمي، والفن الإيراني يذهب باتجاه الفن التطبيقي أكثر من الفن التشكيلي على عكس الفن السوري، هذه المزاوجة بين الفن التشكيلي والخط أدخل الحرف العربي ضمن اللوحة التشكيلية، فهل نستطيع نحن كفنانين تشكيليين سوريين وإيرانيين المزاوجة بين الفن التشكيلي والتطبيقي للوصول إلى نتائج مرضية للطرفين؟

عروس الخط العربي
سمة الفن الإسلامي هو التواضع عند النفس الإنسانية والتماهي مع المطلق، بهذه الكلمات تحدث الفنان والناقد التشكيلي أكسم طلاع حيث قال: نحن اليوم بحضرة ثقافة وجسر جميل يجمعنا كشعوب، ما أعرفه عن إيران وآثار خطاطيها عليها تلك المزركشات والحضور السياسي الذي يقدم الجهد والنضال من أجل المقاومة لنكون شركاء في خندق واحد، والفن هو ميدان نصلح ونرمم ونبني ما تشوهه السياسة.
الحرف العربي يسمى عروس الخط العربي هذه التسمية تليق بهذا الخط الجميل، والفنان الإيراني عماد الحسني ليس ملكاً لإيران وإنما ملك لكل من يكتب بهذا الخط، فقد أضاف لبنية الخط شيئاً من العبقرية والجمال، والفنان الدمشقي بدوي الديراني اشتق أو أضاف لمسة خاصة لدمشق، بالتالي هناك حوار قصير بين روحين ومنطقتين وثقافتين.
وأضاف: بعد زيارة الكثير من الفنانين الإيرانيين لدمشق وإقامة معارض فيها أنتج واقعاً مضافاً على الواقع الفني السوري، مع العلم أن العاصمة لم تكن خالية من الفنانين، إلا أنها ازدهرت في مجال الخط، وبالتالي أصبح هناك علامات جديدة وكان تأثير المدرسة واضحاً. نحن كفنانين نتطلع لكل المنتجات التشكيلية، ولكن هناك مراكز تشكيلية في العالم يحتكرها الغرب ويحاول ضمن سياسة معينة توجيه الشعوب لهذه الحالة وهو إلغاء الهوية الوطنية، وإيران بلد يدافع بشكل كبير جداً حول تأصيل ثقافته وتكريسها، وفي سورية وعي لهذا الأمر واتحاد الفنانين معني فيه، ودائماً هناك تنبيه لخطورة أي ريح جديدة في الفن السوري، هذه الفوضى في العالم تهتم بثقافة تخدم مصالحها بالتالي تدفع المال لشروع هذا العمل الفني، ونحن نتخلى رويداً رويداً على حساب الوحدة الوطنية.

تمسك بالهوية
يرى الفنان محمد غنوم أن العمل في الخط العربي يعمل به الرجال أكثر من الإناث، والفنانة الخطاطة ريم قبطان الأسطه تملك باعاً جيداً في إتقان القواعد لعدد من الخطوط، وهذه ناحية مهمة جداً، والناحية الأخرى أنها تجاوزت هذه القواعد في بعض اللوحات التي فيها بحث حروفي، ولديها أعمال أخرى في المنمنمات، وهذه كلها قضايا تصب في الفن الإسلامي بشكل عام، لكن في المعرض هناك تمسك بكل ما يتعلق بهويتنا، وخاصة في هذا الوقت بالذات، وسورية تتعافى وتثبت للعالم أجمع أن التمسك بهويتنا هو الطريق الصحيح، ونثبت للجميع أن هويتنا لا يمكن أن تقتلع أو تهتز مهما كان، ولا ينتصر إلا الجمال وهذا المعرض جميل.

لمحة عن الفنانة ريم قبطان الأسطه
خريجة المعهد الهندسي قسم الرسم والتمثيل، ودرست أربع سنوات الفنون التطبيقية (تصوير زيتي، خط عربي، زخرفة) في مركز أحمد وليد عزت للفنون التطبيقية، والفنون التشكيلية في مركز أدهم إسماعيل والخط العربي والزخرفة في معهد الفنون التطبيقية.
وشاركت في عدة معارض فنية منها: معرض طلاب معهد أحمد وليد عزت عام 2016، ومعرض الخريف السنوي للفنانين التشكيليين في عامي 2016 و2018، ومعرض تحية للفنان الراحل نذير نبعة في مركز أدهم إسماعيل 2018، ومشاركة في معرض تحية لتشرين بالذكرى 45 لحرب تشرين التحريرية 2018، ومعرض فني فردي بعنوان «لمسات شرقية» في دار الأوبرا في دمشق عام 2019.

مقالات ذات صلة

Do NOT follow this link or you will be banned from the site!

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock