من دفتر الوطن

الحياة بين أسبوعين

| زياد حيدر

على مر العام، في الدول الغربية يمر التسوق بمستويات ذروة وجمود، هذا هو الحال في كل الدول تقريباً، لكنه يكتسب صبغة خاصة في الدول الغربية بسبب استقرارها الاقتصادي والسياسي من جهة، ولنشأتها الرأسمالية من جهة أخرى، فهي عموماً سبب الحمى الاستهلاكية في العالم أجمع، سواءً كنا نتحدث عن القيم الاستهلاكية الأميركية، أو تلك المشابهة التي تسود في أوروبا.
توضب صالات العرض والمحلات، بضائعها الجديدة والثمينة في أوقات الذروة، وتمهد لأسابيع الاستهلاك القصوى، بموجات لا تتوقف من الإعلانات التي تغزو وسائل التواصل،وتدق على أبواب البيوت، وتملأ صناديق البريد الشخصية وتربك ذاكرة الهاتف الجوال.
وبمجرد ما ينتهي الأسبوع، يحل محله أسبوع آخر هو أسبوع التنزيلات، لما تبقى من السلع التي نفد مال الراغبين بها، قبل الوصول إليها، فتهيئ عروضها وتقولبها وتزينها للجمهور، الذي بدوره يصطف بالدور للحصول على أثمن البضائع بأرخص الأسعار. وحقيقة وصف حمى التسوق، ليست مبالغة، فالمرء يصاب بها دون مقاومة، بسبب جمال العروض، ورقة العارض (في أغلب الأحيان)، ويصبح النزول للتسوق، في ظل غزو الإعلانات واجب، دونه الشعور بالذنب.
هذا عموماً، ولكن حين أنظر في نفسي أجد أنني متسوق سيئ أقضي ساعات في التجوال ولا أشتري شيئاً.
أرغب في شيء بقوة، وبمجرد ما أشتريه يصيبني الندم فأعيده، وإن اشتهيت سلعة فهي غير موجودة، أو معروضة بسعر يفوق قدرتي ناهيك عن أن الشراء في الغربة، وبعد الحرب، يوقظ شعوراً غامضاً من الذنب في داخلي وداخل كثير منا، فأعزف عنه أحياناً ولا أدري لماذا؟
نفسياتنا معقدة، سواءٌ كنا نتحدث عن سلوكنا الاستهلاكي أو ما هو أعقد. أعرف شخصاً عزيزاً ينزل للمتجر فيشتري بنهم، ذات القبعة ولكن بخمسة ألوان مختلفة، دون أن يرتدي واحدة منها يوماً.
هو أيضاً يأتي من خلفية وطن مزقته الحرب وشردت الكثير من أهله، وتركت قسماً كبيراً منهم في فقر وعوز.
تتسلل إلينا أوطاننا، في الغربة حتى ونحن نشتري ثمار الرمان من البقالية المجاورة.
مثل هذا الرمان، بل أكبر منه كنت أقطفه بيدي، وأملؤه في سحاحير من مزرعتي، وأوزعه على الجيران والأقارب.
ليس ذات الطعمة، هذا الذي نأكله هنا، ولا ذات اللون علماً أنه ملفوف بقش ناعم، ويحظى بلصقة جودة على بطنه، ولا تخرج الحشرات من فمه ونحن نقشره.
لذيذ ومثالي تقريباً، لكنه مختلف، عن الذي نقطفه عن أمه في بلادنا.
تأتي البلاد إليك بصور أخرى. تقول حين تزور مشفى عاماً أن ما ينقصنا (هناك في بلادنا) لكي نصبح هكذا هو كذا وكذا وكذا. وبيننا وبين تلك المطالب، تعقيدات كثيرة نعلمها، وربما ما خفي أعظم ثم نقول إن هذا قدرنا ونصيبنا أن يكون الفارق بين العالمين، كالفارق بين أسبوعي الذروة والتنزيلات في أشهر التسوق. لهذا ناسه ولذاك ناسه.
ولكنني أؤمن بالنصيب، ليس عن قناعة دينية، وإنما لأن الحظ، لعب دور البطولة في أقدار كثيرين حولي، وفي قدري، حتى صرت أحترمه وأخشاه كمن يخشى خصماً أبدياً، رغم ذلك ألاعبه وألجأ إليه.
من نافذة بيتي المتواضع، أرى أن مكتب بيع اليانصيب قد أعلن عن تنزيلات على بطاقات هذا الأسبوع للنصف، بمناسبة «الجمعة السوداء».
أنزل وأشتري بطاقتين. أتمنى، وأنتظر.

مقالات ذات صلة

Do NOT follow this link or you will be banned from the site!

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock