الأجيال الشابة ستتمكن في وقت ما من صنع ثقافة مسرحية جديدة … ميسون علي لـ«الوطن»: المسرح ظاهرة حضارية لا يمكننا العيش من دونها

عامر فؤاد عامر :

أستاذة المسرح الحديث والمعاصر، ومشاركة في تحديث المناهج وامتحانات القبول فيه، مُحرّرة في الموسوعة العربية الكبرى «سورية»، ومُستشارة حول الإبداع المحلي، ولدى كثير من التنظيمات الفنيّة والمسرحيّة في البلاد العربيّة. عضو (مساواة) مركز دراسات المرأة. عملت كباحثة في السياسات الثقافيّة، عضو لجنة تنسيق الندوة الفكريّة وانتقاء العروض المشاركة في مهرجان دمشق للفنون المسرحيّة، عضو لجنة التحكيم في أكثر من مهرجان مسرحي محلي وعربي. في رصيدها العديد من ورشات العمل مع مخرجين مسرحيين عالميين مثل «أيوجينيو باربا»، و«آريان منوشكين»، و«جوديث مالينا»، و«روبرت ويلسون»، و«فيليب جانتي». قادت عام 2008 ورشة عمل في الكتابة المسرحيّة ضمن فعاليّات دمشق عاصمة للثقافة. شاركت في الكثير من المهرجانات والمؤتمرات الدوليّة حول المسرح، في القاهرة، بيروت، الإسكندرية، المغرب، الجزائر، فرنسا، بريطانيا. لديها أبحاث في كتب مشتركة: المسرح والهويّة (الشارقة)، محكومون بالأمل/ دراسات في المسرح العربي (بيروت- نيويورك)، موسوعة المسرح العربي (الشارقة)، الممارسات الثقافيّة للشباب العربي (كتاب باحثات – بيروت) – الرواية العربيّة الآن(القاهرة)، (أميركا – جامعة برنستون) The Routledge Companion To Dramaturgy».
كما نشرت العديد من الأبحاث في دوريات عربية ودولية منها: مسرح الشباب السوري، المتعة المسرحية، مسرح المضطهدين، مفهوم جسد الممثل في المسرح، كما كتبت في اتجاهات الإخراج والمسرح المعاصر، ولها أكثر من دراسة في مجال فن السرد. الدكتورة «ميسون علي» تتحدث اليوم لـ«الوطن» عن مواضيع المسرح ومعاناته في سورية وقسم النقد في المعهد العالي، والحركة المسرحيّة ومواضيع أخرى.

لماذا اصطبغ مفهوم النقد بمفهوم وحيد من دون غيره – وأقصد المفهوم السلبي للنقدـ؟ وكيف السبيل لإزالة هذا الغلط في طريقة تعاطينا مع حالة النقد؟
النقد كما أفهمه هو قراءة، ومفهوم القراءة أطرحه هنا بمعناه النشط، النقد يُنتج معرفة في العمل الإبداعي، وأن النقد بمعناه المُنتج، هو قراءة تُمكّن من يُمارسها أن يكون له حضوره الفاعل في النتاج الثقافي في المجتمع، وأن يكون معنياً بالحياة التي تنمو وتتغيّر حوله، فيُساهم هو، ومن موقعه في المجتمع، في تطويرها. وبهذا المعنى يُعبّر النقد عن تأثره بعلوم عصره ويبدو النتاج قائماً في التأويل. دخول العمل في القراءة، يعني أنه يتحرّر من صفات تغلقه على ذاته. لا نقد من دون قراءة ولا قراءة من دون قارئ، ولا قارئ من دون موقع ولا تكون القراءة نقدية بالتماهي مع ما نقوم بنقده، أو بتوجيه التجريح إنما باستنطاق العمل، وهذه العملية لها أدواتها، وبهذه الأدوات أو المفاهيم تتمنهج القراءة، فتصبح قادرة بهذه النسبة أو تلك على رؤية العمل في دواخله، وهذا لا يعني عملاً آلياً، أو تطبيقاً حرفياً لهذا المفهوم أو ذاك بل يعني الاستعانة بمعارف مفهوميّة تُضيء سُبل البحث، والنقد أو القراءة المنهجيّة هي تسلّح بالمعرفة يستوجبه العمل نفسه. ولكن أين نحن من هذا كلّه، فما نشهده اليوم من كتابات تحت مُسمّى النقد يعزّز المفهوم السلبي للنقد، بسبب الفوضى النقديّة التي تغرق فيها حركتنا المسرحيّة. ولقد مرّت، ولا تزال تمرّ، فترات يستسهل فيها بعض المُحررين في الصحف وغيرها. ومهما كانت خبرتهم ضحلة وثقافتهم محدودة الكتابة عن المسرح ونقد عروضه وتحليل نصوصه. ولو جمع المرء المراجعات النقديّة التي تكتبها الصحف العربيّة، لوجد أمامه، ما خلا استثناءات قليلة، فيضاً من الغثاثة والركاكة. ولا يخلو الأمر فقط بالأحكام الاعتباطيّة والمزاجيّة، وإنما بجهل تام بماهيّة المسرح وأسرار العمل المسرحي. وأنا أعرف الذين لم يدرسوا المسرح، ولا يحملون شهادة من معهد مسرحي، وأن السليقة والإلهام هما المصدران الفنيّان اللذان يُمدانهم بالإبداع تأليفاً ونقداً. طبعاً ما كان يمكن لهؤلاء الطفيليين على النقد والكتابة أن يتمددوا ويملؤوا بالتفاهات والتحليلات السطحيّة، لو كانت لدينا تقاليد ثقافيّة يقدّرها الجميع.

ما معايير انتقاء طلاب قسم الدراسات المسرحيّة؟ وهل هي كافية برأيك؟
يتقدّم إلى القسم الحائزون الشهادة الثانوية بفرعيها وطلاب جامعيون، ويخضع المتقدم إلى امتحان كتابي يتعلّق غالباً بتحليل نص قصير أو عرض، ومن يجتز هذا الامتحان يتقدّم إلى امتحان المقابلة، حيث يوُضع الطالب على المحك من خلال سبر معلوماته الفنيّة والمسرحيّة وشخصيّته وأسلوبه في التفكير وقدرته على المحاكمة وحسّه النقدي. وأعتقد أنها معايير كافية لاختيار طالب مبتدئ سنعمل على تطوير ملكاته ومعارفه المسرحيّة خلال السنوات الأربع من الدراسة، والنظام الداخلي للمعهد يُخولنا فصل الطالب من السنة الأولى أو الثانية، في حال لم يُبد أي تطوّر أثناء دراسته، لأنّنا معهد إبداعي أولاً وأخيراً.

كيف يمكن إيجاد باب عمل لخريجي قسم الدراسات النقديّة للاستفادة مما درسوه؟ وعلى من يقع عبء هذه المسألة؟ هل من نقابة أو جهة واضحة مسؤولة عن هذا الأمر؟
كما قلت سابقاً إن قسم الدراسات منذ تأسيسه عام 1984، عمل على إعداد مختصين قادرين على خوض مجال البحث بشقيّه النظري والعملي، وبحيث يستطيع الخرّيج العمل في مجالات متعددة كباحث وموثّق أو ناقد مسرحي مختص، أو كاتب مسرحي، كما يستطيع المشاركة في العمليّة المسرحيّة كدراماتورج أو مساعد مخرج، وقد أثبتت التجربة في السنوات الماضية أن مناهج التدريس في القسم جيّدة ما دامت قد سمحت لخريجي القسم أن يبرعوا في مجالات متعددة تشمل كتابة المقالات النقديّة والنصوص المسرحيّة والسيناريوهات السينمائيّة والتلفزيونيّة وصولاً إلى إدارة مؤسسات ثقافيّة. وسينتسب قريباً خريجو القسم إلى نقابة الفنانين التي هي بحاجة إلى اختصاصاتهم.

قدّمت أطروحة بعنوان «المسرح المعاصر» واليوم أنت أستاذة المسرح الحديث والمعاصر في المعهد العالي للفنون المسرحيّة، فما مساحة تطبيق الحداثة في المسرح وذلك فيما يتعلم الطلاب ويكتسبون؟ وما النتائج – ولو بأمثلة بسيطة -؟
يمكن ذلك عبر مواكبة ودراسة أهم التطورات التي تحدث في العالم فيما يخصّ المسرح، التركيز مثلاً على البحث النظري والعملي في العروض الأدائيّة المابعد حداثيّة بامتياز، حيث تُسيطر الصورة السمعيّة والبصريّة على العنصر الكلامي، وغياب التسلسل الدرامي ويصعب البحث عن المعنى لأن الوحدات المشهديّة تتجاور بدل أن تترابط، كما أن مرجعي هذه الوحدات مُتنوعة تعود إلى شيءٍ ما من الواقع، أو من المُتخيّل، ذلك كلّه يخلق صعوبة في تأطير العمل والتعامل معه من خلال المعايير النقديّة للأنواع والأشكال المسرحيّة. وهذا يمحو الحدود بين الفنون ويطول كلّ المجالات الفنيّة، جسد المؤدي هو أحد أهم العناصر، بوب ويلسون وريتشارد فورمان، عروض ويلسون تُشكّل الصورة الأساس بدلاً من الكلام، ويتوزّع النص على شكل تراكب مقاطع (كولاج) لا يروي قصة إنما يكون كلاماً يُقتطع من السياق اليومي ويُعاد ربطه بحيث تتحوّل الكلمات إلى صور ضوئية تتوزّع يشكل موسيقي. فيما يتعلّق بالكتابة المسرحيّة تبدو تجليات ما بعد الحداثة في كسر أعراف الكتابة من حيث البنيّة الدراميّة التقليديّة، وتداخل الأجناس كسر وحدة تماسُك الشخصيّة ويمكننا أن نتكلّم في هذا السياق عن فنون الأداء (رقص ومسرح) المعاصرة، مُقابل إرث طويل من الاستمراريّة الدراميّة تُمثله كلّ نتاجات المسرح حتى لحظة الحداثة وما بعدها، تتمثّل ما بعد الحداثة في حالة التشظي الأكثر حضوراً، هذا التشظي يتبدّى على مستوى البنية الدراميّة، وبنية العرض المسرحي نفسه، فيغدو أحياناً المفهوم المُحرّك لجماليّة الإخراج المُعاصر ومقولاته. هناك نماذج متعدّدة يمكن طرحها (مسرحيّة فويتسك لجورج بوشتر بين توماس أوستر ماير وجوزيف نادج وعرض الأوبرا – عروض المسرح الراقص لبينا باوش وساشا فالتس وأكرم خان).

ساهمت في العديد من المؤتمرات والندوات المحلية والعربية والعالمية حول المسرح وفنون العرض وحول الإنتاج الثقافي للشباب، فما المستوى الذي حصده الشباب السوري بالتحديد؟
حضور متميز في كل المهرجانات أو الفعاليات التي شاركوا بها خارج سورية، وغالباً ما أرشّح عدداً لا بأس به منهم (ومن كل الاختصاصات) للمشاركة في فعاليات وورشات عمل مختلفة.

إلى أين يتجه مستقبل مسرح الشباب السوري، وذلك لأنك مستشارة في الإبداع المحلّي لدى تنظيمات فنية في الخارج؟
رغم صعوبة الإجابة عن سؤال كهذا في خضم الانهيارات والتحولات التي تعصف بالمنطقة، إلا أن التجارب، التي يقوم بها الشباب في الدول العربية وفي المنافي والمهاجر وعلى خطوط نار الحروب، تقول إن روح الحياة في الأجيال الشابة لن تستسلم لأقدار الموت والعبث. وستتمكن في وقت ما من المساهمة في صنع ثقافة مسرحية جديدة.
صحيح أن كل تلك التجارب تنتمي إلى هوامش ضيقة ومحاصرة في المجتمعات العربية، لكن كلما نجح في تطوير ثقافة مسرحية جديدة في كل أنحاء العالم بدأ من الهوامش، ويبدو أن قدر المسرحيين الشباب في المجتمعات العربية أن ينهضوا من الهوامش ليواجهوا آليات التغريب والتسطيح والعنف التي تعصف بمجتمعاتهم.
ومن الجدير بالقول، صحيح أن جيل الشباب موجود، لكن تجاربهم متقطعة، وما زالوا يتحركون ضمن الأطر القديمة، والبنية التحتيّة نفسها، لا بدّ من إعطاء الفرص لمن يستحقها، وعدم تكريس المُكرّس، والعمل على خلق فضاءات مسرحية وثقافية جديدة، ومفهوم الفضاء لا يعني فقط مكان العرض، إنه أشمل من مكان للفرجة.. أي مكان للقاء والحوار ولإقامة المحترفات التي تجمع المواهب فاسحة أمامها المجال للتعارف وتبادل الخبرات.

حدّثينا عن مشاركتك في كتاب«The Routledge Companion To Dramaturgy» وعن محتوى الكتاب، والموضوعات التي شاركت فيها، وأهمية مثل هذا الكتاب للدراسة الاطلاع؟
الكتاب بحث في مفهوم الدراماتورجيا وكيفية التعامل معه العالم من المسرحيين عموماً، في اللغة الألمانية الدراماتورجيا هي تسمية لمهمّتين مستقلتين هما المُشاور والمعد المسرحي والكاتب ومن المعروف أن الدراماتورجيا تغطي مجال المسرح كله بما فيه كتابة النص وتحضير العرض ودراسة تاريخ المسرح والنقد والتحليل، مفهوم له مجال دلالي واسع لأنه يدل على وظائف متعددة ظهرت تباعاً مع تطوّر المسرح، وجدير بالذكر أن مفهوم الدراماتورجيا الذي ظهر في القرن الثامن عشر سبق مفهوم الإخراج الذي ظهر في نهاية القرن التاسع عشر ومهّد له. وقد تطور المعنى واتسع الطيف الدلالي للكلمة مع انتقال مركز الثقل من النص إلى العرض ومن مؤلف النص إلى مُعد العرض. كذلك ارتبط تطور الدراماتورجيا بتطور علاقة المسرح بالمؤسسة، ويحرّر الكتابة من الأعراف الصارمة التي تُحدّد شكل الكتابة وشكل العرض. وفي تطوّر حديث، صارت الدراماتورجيا عملية متكاملة يشارك فيها المخرج مع مُعد النص ومترجمه والممثل والسينوغراف.

هل من نشاطات جديدة تحضرين لها سواء في سورية أو خارجها؟
لدي دعوة لحضور مهرجان مسرحي في الإسكندرية وهو للفرق المسرحية المستقلة (أوروبا – البحر المتوسط). كما انتهيت من ترجمة نصوص من المسرح الإنجليزي المعاصر ستصدر قريباً في بيروت.