قضايا وآراء

المعركة الدبلوماسية القادمة..

| د. بسام أبو عبد الله 

لا ندري إن كان مؤتمر جنيف سيُعقد في موعده المحدد في الخامس والعشرين من الشهر الحالي، أم سيتم تأجيله إلى موعد لاحق ريثما يتم الاتفاق على شمولية تمثيل (المعارضة)، وتصنيف الجماعات الإرهابية، وهما القضيتان اللتان ما تزالان تشكلان عقدتين لم يتم حلهما، بانتظار لقاء كيري- لافروف، بالرغم من قناعتنا أن المؤتمر سيعقد في النهاية لكن من الواضح تماماً أن معسكر العدوان على سورية يحضر للمعركة الدبلوماسية، والسياسية القادمة عبر حشد كل الأدوات التي يعتقد أنها أساسية، وضرورية لتسجيل النقاط، والوصول لأهدافه عبر السياسة بعد عجزه عن تحقيقها في الميدان، وبأدوات إرهابية، دموية، إجرامية..
ضمن هذا الإطار نقرأ العديد من الأخبار التي تتناقلها الصحف، ووكالات الأنباء عن التحضيرات لمرحلة (التفاوض)، والمسار السياسي، ومنها ما نقلته السفير اللبنانية عن مصادر أوروبية من أنه سيتم إرسال مستشارين تفاوضيين إلى جنيف لمؤازرة (وفد الرياض) كي يكون هؤلاء المستشارون حول قاعات التفاوض، وكذلك ما أكده (منذر ماخوس) ممثل ما يسمى (الائتلاف) في باريس من أن دولة الإمارات قدمت لـ(المعارضة) عقداً مع شركة (تي إل بايبر) البريطانية للعلاقات العامة لمساعدتها في إطلاق حملة دولية كبيرة داعمة لها، إضافة لمعلومات تم تناقلها من أن الهيئة العامة للمفاوضات أي (وفد الرياض المعارض) ستحضر إلى جنيف بكامل أعضائها برفقة الوفد المفاوض المكون من نحو 45 شخصاً بهدف مراقبة المفاوضات عن كثب، والمهم هنا: أن أكثر من دولة سوف تتحمل تكاليف انتقال، وإقامة هذا الوفد الكبير الذي قد يصل إلى 80 شخصاً، وهذه الدول هي: الولايات المتحدة، السعودية، كندا، وسويسرا، ولا أدري إن كان كل ذلك من أجل سواد عيون مدعي المعارضة هؤلاء، أم من أجل مصالح من يقف وراءهم، ويمولهم، ويطعمهم- خاصة أن الدول ليست جمعيات خيرية، وليست مهتمة كثيراً بالديمقراطية المزعومة، والحرية الموعودة التي صدع هؤلاء رؤوسنا بها طوال سنوات الحرب على شعبهم فأنتجت لنا ديمقراطيين تقدميين في جيش الإسلام، وأشرار الشام، وداعش، والنصرة، و.. و.. و….
هذه المعلومات تذكرنا بالحشد الكبير الذي سبق مؤتمر جنيف 2 إذ جلب لهم روبيرت فورد كل مستشاري التفاوض، وشركات العلاقات العامة، ودُفعت ملايين الدولارات لإنجاحهم، ولكن النتيجة كانت فشلهم الذريع، وفشل الأهداف الموضوعة أمامهم والتي كان (فورد) نفسه يُلقنهم إياها خلال جلسات التفاوض وبالإنكليزية، وليس العربية، وهو ما انفضح، وتحول إلى مجال للتندر، والسخرية من صانعيهم، وداعميهم..
منذ جنيف 2، وحتى جنيف 3 الموعود جرت الكثير من المياه تحت الجسر إذ وقعت تحولات كبرى آخرها رفع العقوبات عن إيران، وقبلها الدعم الروسي الجوي لعمليات الجيش العربي السوري والحلفاء في مكافحة الإرهاب، ومساري فيينا، وقراري مجلس الأمن الدولي 2253 الخاص بالإرهاب، و2254 المتضمن أسس التسوية السياسية في سورية، والأهم من كل هذا التحولات الميدانية المتدحرجة من شمال سورية، إلى جنوبها، والانتصارات التي يحققها الجيش العربي السوري مع الحلفاء، والتي من الواضح أنها ستؤدي إلى إخراج الخنجر التركي في الشمال من ظهر سورية، وهو ما سوف يعني إضعاف أوراق (معارضة استانبول) وأي (معارضة الرياض) بالمجمل، بمعنى أنه كلما تقدم جيشنا البطل ميدانياً سمعنا عويلاً، وصراخاً في الخارج لأن هذا يعني بالضبط إسقاط أوراق التفاوض التي يعولون عليها إذ إنه ليس لدى قوى العدوان من أوراق سوى الإرهاب ومنظماته وقادته، وتساقط إمارات الوهابية، والإخونجية، والعثمانية، والصهيونية هو لكمات على وجوه زعماء الإرهاب الحقيقيين في أنقرة، والرياض، وتل أبيب، وواشنطن.
إن تساقط، وتهاوي إمارات الإرهاب الذي انفضح، وفاحت رائحته لا يعني التخلي عن تحقيق الأهداف الموضوعة، والمتمثلة حالياً في الدفع بأدواتهم إلى داخل بنيان النظام السياسي في سورية عبر حكومة الوحدة الوطنية، أو كما يسميها القرار الدولي (هيئة حكم موثوق فيها، وشاملة، وغير طائفية)!!
والسؤال ماذا يُحضر مطبخ العدوان على سورية ضمن هذا الإطار ِأي المعركة الدبلوماسية الكبرى القادمة، ومعركة الرأي العام..
ما يمكن فهمه من مجمل المعلومات المتداولة، أننا سوف نشهد في المرحلة القادمة، تحركات مكثفة، وبرامج إعلامية، ومنصات ستحضر لهؤلاء من أجل كسب النقاط تحضيراً للانتخابات المزمع إجراؤها بإشراف أممي كما يشير القرار الدولي، وسوف نتابع على محطات البترودولار، وغيرها برامج تشمل:
1- العودة لفكرة شيطنة الدولة السورية إلى أقصى حد، من خلال برامج تركز على البعد الإنساني (قضية مضايا) مؤخراً كنموذج وغيرها الكثير.
2- برامج مع شخصيات انتهازية كانت في الدولة السورية، وتحولت بقدرة قادر إلى معارضة، تشيطن فيها كل شيء عبر (كلمة حق يراد بها باطل) هنا يستحضرني برنامج (الذاكرة السياسية) مع المنافق الكبير رياض نعسان آغا الذي تقدمه قناة الحدث السعودية، وقد نرى برامج أخرى عديدة.
3- تسعير البعد المذهبي- الطائفي بشكل دائم ومستمر، لأنه الأداة الرئيسية، والمحرك الأساسي لغرائز الناس، ومشاعرها.
4- تجنيد وسائل إعلام دولية مرموقة، وصحفيين مأجورين لإعادة إحياء ما يسمى (ثورة سورية!!!) وتبييض صفحتها بعد أن دمر ثوارها المزعومون كل ما يمكنهم أن يدمروه، وجلبوا لنا كل قتلة، ومجرمي الكرة الأرضية، وقطعوا الرؤوس، وأكلوا الأكباد ما يتطلب إعادة تقديمها بطريقة أخرى علّها تنجح..
5- تقديم الدعم الدبلوماسي، والسياسي، والإعلامي لما يسمى معارضة سورية موالية للغرب، ومشاريعه في كل المناسبات.
6- ضخ كميات كبيرة من المال خارج سورية، وداخلها من أجل المساعدة في كسب الأصوات، وتحويل قناعات السوريين.
إن ما سبق، أن أشرت إليه هو معروف لدى الدولة السورية، وأعتقد أنه يجري التحضير، والعمل لمواجهته لأن دمشق كانت واضحة وحاسمة في عدة مسائل منها:
1- حوار سوري- سوري دون أي تدخل أجنبي.
2- ما فشل هؤلاء في الحصول عليه بالميدان لن يحصلوا عليه بالسياسة.
3- مكافحة الإرهاب مستمرة بغض النظر عن الحوار.
4- لا مكان للإرهابيين حول طاولة الحوار.
5- إن أي مصالحة تجري في أي قرية، أو بلدة سورية هي أكثر أهمية من كل وفود المعارضة، ومؤتمرات الحوار.
6- لا إمكانية لتمرير أي حل، أو تصور، أو اتفاق دون استفتاء شعبي يقرر فيه السوريون جميعاً، وليس من نصبوا معارضة سواء أتوا بقرار دولي، أو بأي شكل آخر..
إن الأهم من كل هذا، وذاك أن استمرار تقدم الجيش العربي السوري في كل الميادين سوف يضيق كثيراً على هؤلاء مجال المناورة، والتذاكي مهما أنفقوا من دولارات على المستشارين وشركات العلاقات العامة، وبرامج التلفزة البترودولارية- ذلك أن من كان على حق، ويسير بقوة هذا الحق لن تهزمه كل قوى العدوان، والغطرسة، والتكبر مهما زوروا وضللوا، وأجرموا، ومن سُخرت له سابقاً كل الإمكانات وفشل في تحقيق أهداف العدوان، فلن يستطيع أن يحصل الآن على ما فشل فيه سابقاً، حتى لو غير طاقم الممثلين، والكومبارس على المسرح.
ما يجب أن ننتبه إليه ضمن إطار المعركة الدبلوماسية، والسياسية والإعلامية القادمة هم أولئك الذين ما زالوا يجلسون في الوطن ويدعون حبه، ولكنهم بممارساتهم، وفسادهم يخدمون المشروع الآخر، وقد آن لنا أن نكافح هؤلاء وخاصة أن نماذج كثيرة منهم هم في واجهة ما يسمى (معارضة) الرياض.
الشعب السوري الذي دفع ثمناً باهظاً في هذه الحرب العدوانية الإرهابية على وطنه، ودافع بشرف وإخلاص عن قيمه، ومبادئه واستقلاله وتاريخه، وهويته، هو ما يجب أن يكون محط اهتمامنا ورعايتنا في هذه الظروف القاسية التي نمر بها، وهو بالتأكيد يتمتع بوعي وطني عال، ولكن دعونا نخفف عن كاهله الطحالب، والعلق الذي يمص دماءه قدر الإمكان كي ننتصر به، ومعه من أجل سورية التي لا يمكن أن تكون إلا مقاومة وأبية، وشامخة بكرامة كل أبنائها.

مقالات ذات صلة

Do NOT follow this link or you will be banned from the site!

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock