من دفتر الوطن

ذكريات..!

| عصام داري

ذكرياتنا شريط سينمائي ملون، يشبه الأفلام بتنوعها، من المغامرات والتراجيدي والكوميدي والـ«الأكشن» ولا يخلو من الرعب وحتى البوليسي، ولنا أن نشاهد كل يوم ما نرغب من مشاهد بالأبيض والأسود، أو بالألوان.
ارتسمت ذكرياتي أمامي بشكل مفاجئ وأنا أسمع إحدى روائع أم كلثوم «ذكريات عبرت أفق خيالي» فقرأت بعضاً من تاريخي وسنوات عمري التي لا تهم أحداً سواي، فلماذا أسجل بعضها في «دفتر الوطن»؟.
وسألت نفسي: لماذا يحول بعض الناس، وخاصة المشاهير منهم، ذكرياتهم إلى مذكرات يروون فيها ما جرى من أحداث ساهموا بصنعها وكانوا جزءاً منها، أو شهوداً لها؟.
وهل تتحلى تلك المذكرات بالصدق والمصداقية وتتخذ النزاهة والحيادية طريقاً لها، وهل يمتلك كاتب المذكرات الجرأة ليدون الصفحات السوداء التي مرت في حياته، ونقاط ضعفه، والأخطاء التي اقترفها في حياته، أم سيقدم نفسه بثوب الطهر والقداسة وربما الوعظ؟.
ليس هناك من هو معصوم عن الخطأ، لكننا نخجل من الحديث عن الزوايا السوداء في مسيرة حياتنا، ونظن أن الآخرين سيصدقون الكذب الذي نرصفه في رواية ما، ونشعر بالسعادة والانتصار عندما نلاحظ اهتمام المتلقي بالقصة أو الحادثة التي نرويها.
هذا على المستوى الشخصي، فكيف يكون الأمر على مستوى الساسة الكبار كالرؤساء والزعماء، وأكثر من ذلك، عندما يكتب المؤرخون صفحات من التاريخ العالمي، وباعتقادي ليس هناك مؤرخ محايد مئة بالمئة، لذلك أنا ميال لما ذهب إليه شاعرنا الكبير نزار قباني:
«لا وقت لدينا للتاريخ.. فنصف حوادثه تزوير».
والحقيقة أن هناك روايات نظن أنها جزء من التاريخ والمسلمات وهي مجرد أكاذيب لا أساس لها من الصحة، وقد قام منذ سنوات صديقي الباحث الموسوعي أحمد المفتي بإعداد برنامج مهم جداً يفند فيه الأغلاط الكبيرة في التاريخ، وأطلق على هذا البرنامج تسمية «أغاليط في التاريخ» وأنجزت منه عشرات الحلقات، وكم كنت أتمنى أن يطلع الناس على هذه «الأغاليط» مع اقتناعي بأنها لن تغير من قناعات العامة بالمسلمات التي شربوها مع حليب أمهاتهم.
لكن المهم ليس فقط أن نعرف أن تاريخنا القديم فيه أغلاط ومعلومات غير حقيقية، وربما مقلوبة رأساً على عقب، بل علينا أن نمحص الروايات التاريخية التي كتبها مستشرقون ومؤرخون غربيون لأنها روايات غير نزيهة بالمطلق، وتقدم لنا السم بالدسم بغية تشويه تاريخنا، الذي لا يخلو بأي حال من الأحوال من الصفحات السوداء والفترات المظلمة، وهذا شأن تاريخ كل دول العالم.
كنت أرغب أن أكتب بعضاً من الصفحات البيضاء من مسيرة حياتي في هذه الزاوية، لكن القلم أخذني إلى البعيد كي أتحدث عن حالة شاذة كانت، وستستمر موجودة في كتابة وتزييف التاريخ.
قد تكون زاويتي هذا الأسبوع جافة وغير جذابة، لكنني أردت أن يعرف الذين لا يعرفون، أن ما شبوا عليه ليس مقدساً، وأن الكثير من الأحداث كاذبة، ولنأخذ مثلاً على ذلك: هناك اعتقاد له ما يسنده بأن أبا نواس الشهير بنوادره مع هارون الرشيد لم يدخل قصر الرشيد ولا مرة! وأن عمر الخيام ليس هو الذي كتب الرباعيات، وأن طارق بن زياد لم يحرق المراكب عندما دخل شبه الجزيرة الإيبيرية غازياً!! وفي الجعبة الكثير.

زر الذهاب إلى الأعلى
صحيفة الوطن