قضايا وآراء

قمة بوتين أردوغان: هل هناك انفراجات قادمة؟

| د. بسام أبو عبد الله 

كثرت التحليلات، والمقالات الصحفية التي تناولت العلاقات التركية الروسية، وسيناريوهات تطورها في ضوء القمة الرئاسية بين بوتين وأردوغان، وعلى الرغم من أنه من المبكر إعطاء أحكام قاطعة في الاحتمالات الممكنة، لكن يمكن قراءة المؤشرات، والرسائل التي انطلقت من هذه القمة، وكذلك الظروف المحيطة بزيارة أردوغان إلى بطرسبرغ للوصول إلى خلاصات منطقية وموضوعية تبعدنا قدر الإمكان عن العواطف في التحليل.
1- هذه أولى زيارة خارجية لأردوغان بعد فشل محاولة الانقلاب العسكرية في 15/7/2016، والتي لمس أردوغان فيها تواطؤ حلفائه التقليديين لا بل دعمهم لهذه المحاولة الانقلابية، وصمتهم المطبق وعدم إدانتها- حتى إنه اعتبر أن احتمالات زيارة (جون كيري) إلى أنقرة تبدو متأخرة- ومتأخرة جداً حسب تعبيره لصحيفة لوموند الفرنسية، وذهب أردوغان أكثر من ذلك عندما اعتبر أن الرئيس بشار الأسد الذي وصلت الأمور بيني- وبينه حد الدم «حسب تعبيره» وقف ضد الانقلاب على حين إن حلفاءنا طعنونا في الظهر!!
2- لا يخفي أردوغان امتعاضه الشديد من أميركا، والاتحاد الأوروبي وقد عبر لبوتين عن تقديره العالي لوقوفه إلى جانبه ليلة الانقلاب معتبراً ذلك موقفاً أخلاقياً، ونفسيا ساعده كثيراً، ويعترف الأتراك في صحافتهم، أن الدولتين الوحيدتين اللتين وقفتا مع تركيا ليلة الانقلاب هما (روسيا، وإيران).
3- سافر أردوغان للقاء بوتين بعد لحظة تاريخية نادرة من الإجماع الوطني التركي في تظاهرة (يني كابي) في إستانبول التي وصفت بأنها أكبر تجمع شعبي في تاريخ الجمهورية، وألقى فيه زعماء أحزاب المعارضة والحزب الحاكم، ورئيس أركان الجيش، وأردوغان نفسه خطابات جماهيرية تعبر عن الانسجام في المجتمع أكثر من الانقسام، والصراع الذي كان سائداً قبل محاولة الانقلاب الأخيرة، وفي هذا رسالة لأردوغان نفسه من أنه لابد من تغيير طريقة تعاطيه مع خصومه السياسيين، ومع النظرة المستقبلية لشكل الجمهورية التركية، ونظامها السياسي، وكذلك الأمر تجاه سياساته الخارجية التي يقول (إمرة غونين) في صحيفة (صباح ديلي) القريبة من الحكومة إنها لم تصل إلى مثل هذا السوء منذ عقود!!
4- أتت زيارة أردوغان إلى روسيا على خلفية توتر شديد بين أنقرة وواشنطن، وبين أنقرة والاتحاد الأوروبي، وليس غريباً أن يقول وزير العدل التركي إن واشنطن ستزيد الهوة مع أنقرة إذا لم تتعاط بجدية مع تسليم فتح الله غولين، وأن تناشد الخارجية الأميركية السلطات المعنية في تركيا بتهدئة الخطاب السياسي المعادي للولايات المتحدة، ذلك أن الكراهية لأميركا وسياساتها تزداد في تركيا لتصل إلى نسبة مرتفعة جداً سواء لدورها المشبوه في محاولة الانقلاب، أم دعمها العسكري والسياسي لحزب العمال الكردستاني، ومشروع دولة كردستان الكبرى!!
5- ما من شك إضافة لكل ذلك أن الملفات الاقتصادية، والمشاريع المشتركة بين البلدين تشكل مصلحة مشتركة لكل من موسكو وأنقرة، فمشروع السيل التركي لنقل الغاز مشروع حيوي جداً، وكذلك بناء أول محطة للطاقة النووية في تركيا بكلفة 20 مليار دولار التي وقع اتفاقها عام 2010- وصنفت الآن أنها من المشاريع الإستراتيجية، إضافة للتعاون في مجالات الإنشاءات، والسياحة، والغذاء، والصناعات الدفاعية.. ومن الجدير ذكره هنا أن حجم التبادل التجاري بين البلدين وصل إلى 35 مليار دولار سنوياً، لكنه تراجع إلى 27 ملياراً بعد الأزمة الدبلوماسية إثر إسقاط الطائرة الروسية.
– وفي هذا المجال قال أردوغان إن الطموح لديه هو الوصول إلى حجم تبادل تجاري 100 مليار دولار، وهو ما ترغب فيه موسكو لكنها كما قال بوتين ستقوم بإزالة الحواجز تدريجياً لأنها أيضاً تريد التأكد من مدى القدرة على تسديد فواتير ذلك سياسياً، وخاصة في سورية، ولذلك قال وزير الاقتصاد الروسي: «إن السوق الروسية يمكن أن تفتح للمواد الغذائية التركية، وصادراتها حتى نهاية العام، ولابد في البداية من إجراء اختبار لنوعية المنتجات التركية»..
– بوتين كان واضحاً في حديثه عن مفاوضات مضنية بشأن الملف الاقتصادي.
6- يطرح البعض تساؤلاً مشروعاً: هل زيارة أردوغان إلى روسيا هي تكتيكية أم إستراتيجية؟
– الرئيس بوتين أجاب بوضوح عن هذه النقطة أثناء المؤتمر الصحفي المشترك بالقول: (لقد عبرنا لحظة صعبة جداً في العلاقات بين بلدينا، والآن نريد جميعاً تجاوز ذلك من أجل مصالح شعبينا).
ليضيف: (نريد أن نصحح علاقاتنا ليس لأسباب براغماتية، ولكن من أجل مصالح طويلة المدى لبلدينا، ومن أجل تطوير علاقات حسن الجوار بين الروس، والأتراك)..
هنا لم يخفِ أردوغان أن هناك أطرافاً ليست مرتاحة لهذه العلاقات إذ قال أمام مجلس رجال الأعمال الروسي التركي إن (الانقلاب يوم 15/7/2016 كان يستهدف العلاقات بين روسيا، وتركيا) وفي ذلك تلميح لجماعة فتح الله غولين المدعومة أميركياً!!
7- بعض الأطراف الغربية خففت من انعكاسات الزيارة على العلاقة بين أنقرة والغرب عامة، فوزير الخارجية الألماني (شتاينماير) اعتبر في حديث لصحيفة (بيلد): إن المصالحة بين تركيا، وروسيا خطوة مهمة، لكنها لن تؤثر في عضوية تركيا في الناتو، واعتبر مسؤولون ألمان أن الزيارة سوف تسهل عملية السلام في سورية، في حين رأى آخرون أنها رسالة مشتركة من الرئيسين الروسي والتركي من أنهما لا يعتمدان على الغرب.
الصحفي التركي (إيلنور تشيفيك) اختصر في صحيفة (صباح) الحديث عن الزيارة بالإشارة إلى أن تركيا لا تزال جزءاً من المنظومة الدفاعية الغربية لكنها تريد علاقات قوية مع روسيا، ولديها مصالح اقتصادية معها، وتتطلع لأن تكون جزءاً من منظمة شنغهاي، ولكن كل ذلك لا يعني إدارة الظهر للناتو، وعضوية تركيا فيه.. ليقول بوضوح شديد إنه في هذا النظام العالمي الجديد يجب ألا تضع كل البيض في سلة واحدة!!!
يبقى السؤال الأهم في كل ما طرحناه أعلاه: أين سورية من كل ذلك؟ وهل هناك انفراجات قادمة؟
الجواب يمكن البحث عنه مبدئياً في مجموعة لقطات مهمة في القمة:
لم يتم الحديث عن المسألة السورية علناً خلال المؤتمر الصحفي، وتم تركها للقاء مغلق بين أردوغان وبوتين استمر ساعتين متواصلتين، وهو ما يدل على أهمية، وحساسية هذه القضية.
أسمع بوتين أردوغان كلاماً مهماً قبل اجتماعهما المغلق بالقول (إنه لا يمكن الوصول للديمقراطية بوسائل غير ديمقراطية!!) بمعنى أننا دعمناك في وجه الانقلاب لأنك رئيس شرعي، وهو المعيار نفسه الذي يجب أن يطبق في سورية.
قال بوتين: (إن روسيا، وتركيا لديهما هدف مشترك لحل الأزمة في سورية، ومن الممكن حل الخلافات بينهما) ليشير بوضوح إلى اعتقاده (أنه بالإمكان التوصل لمقاربات مشتركة).
لقد جرت القمة على وقع معارك حلب التي اعتقد أردوغان أنه سيعقدها، وفي يديه أوراق قوية ليكتشف بعد خروجه من القمة أن فتحة الأوكسجين التي ظنها كبيرة، وكافية في حلب أغلقت على وقع الاعتراف بفشل فك الحصار، وتبيان حجم أعداد القتلى الكبير في صفوف المسلحين بعد انقشاع غبار المعركة.
واضح تماماً أن أردوغان اصطحب معه مدير استخباراته، وقادة عسكريين للحديث التفصيلي في المسألة السورية، كما أن بوتين ربط بين تقدم التعاون في الملف الاقتصادي، والتقدم في الملفات السياسية- وخاصة (سورية)..
– التطورات سوف تتسارع، والانفراجات قادمة، ولكنها لن تكون سريعة، ومعركة حلب هي الحاسمة ليفهم الجميع بمن فيهم أردوغان أن الإرهاب عقرب سيلدغه، كما لدغ الغرب، وشعوبه، وأن الاستمرار بالتغطية على الإرهاب وتغيير علاماته التجارية لن يكسبه أوراقاً جديدة، بل سيكون مجرد بحث عن وهم جديد في بلدٍ قرر شعبه، وجيشه، وقائده هزيمة أكبر تجمع للإرهابيين في التاريخ… حسب ما تقول مراكز البحوث الغربية، وعليه بالتالي البحث عن الحلول، والتسويات قبل أن تأتي الأوامر للخلايا النائمة في بلاده ببدء العمل، والنشاط.

مقالات ذات صلة

Do NOT follow this link or you will be banned from the site!

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock