ثقافة وفن

صفقة الامتيازات..

د. اسكندر لوقــا : 

 

من المظاهر التي غالباً ما تتكرر في سياق الزمن، بعض الأحداث التي تكون قد طواها الزمن. وبينها على سبيل المثال الاتفاقات الدولية والمعاهدات والالتزامات السياسية التي يقدمها البعض من قادة الدول لدولة أخرى تحت الأمر الواقع أو إرضاء لها لسبب من الأسباب التي يمكن أن تقنع آخرين بوجهة نظرهم.
في القرون السابقة ثمة العديد من هذه المظاهر، ما حملني على اختيار إحدها لعلاقته بما جرى ويجري في منطقتنا في الوقت الراهن، وهي معاهدة الامتيازات العائدة لعام 1673، التي منحت الدولة الفرنسية بموجبها حق استثمار الأراضي وإنشاء شركات في أراضي الدولة العثمانية، ومن ثم جددت في العام 1740.
في العام 1673، في الخامس من شهر حزيران، تم التوقيع في مدينة الآستانة عاصمة الدولة العثمانية على المعاهدة المذكورة بين كل من سفير فرنسا في الآستانة وبين السلطان محمد الرابع. وكان الهدف من وراء هذه المعاهدة كسب ود الملك لويس الرابع ضد عدوه اللدود ملك النمسا.
على هذا النحو عادة كانت تتم الصفقات بين البعض من دول العالم لجهة المصلحة الشخصية وتتعدى المصلحة العامة. وهذا ما أدى، عملياً، إلى تنازل السلطان العثماني عن حق شعبه كسباً لود حليف له عند اللزوم.
وفي التاريخ المعاصر، شاهدنا أمثلة عن مثل هذه الصفقات التي تمت بين ضالعين في عدائهم لبلدنا سورية وبين آخرين كانوا يدينون بالنهج ذاته ولا يجرؤون على إعلانه انتظاراً للحظة المواتية كي يقيموا فيما بينهم صفقات ما عتمت أن كشف سرّها، فإذا الإدارة الأميركية الحالية تقيم صفقة مع ملوك وأمراء مستعربين يحملون في نفوسهم نوازع حقد على سورية وكراهية لسياستها الرامية إلى الارتقاء بهم وبأمة العرب عموماً إلى مصاف الدول الراقية التي تدين بالنهج الديمقراطي الحقيقي في إدارة شؤون بلادهم، فكان ذلك سبباً في إبرام صفقات التعدي عليها وصولاً إلى وضع حد لانتشار تبعات مسعاها إلى الأماكن البعيدة عن حدودها الجغرافية وصولاً إلى أقصى حدود الجغرافيا العربية.
إن الصفقة التي أبرمت في الزمن الحالي، تفوق بأغراضها القذرة صفقة العام 1673 وعام 1740، لأنها تخطت طرفين من أطراف نزاع بين دولتين هما فرنسا والنمسا، وصولاً إلى تآمر العشرات من الأطراف العربية والأجنبية معاً التي اختارت أن تسلم قرارها لمالكي الأموال والسلاح امتداداً من دول الخليج وبعض العرب ممن يمالئونها حتى أقاصي البحار في البيت الأبيض الأميركي.
إن هذا الفعل الجنائي اللئيم بامتياز ضد شعبنا في سورية، بماذا يمكن أن يوصف أكثر من قول الشاعر والبليغ والنحوي خالد بن صفوان «مجهول المولد والوفاة»: لولا أن المروءة ثقل حملها، ما ترك اللئام للكرام منها شيئا.

مقالات ذات صلة

Do NOT follow this link or you will be banned from the site!

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock