ثقافة وفن

التعليم التقاني ودوره في مرحلة إعادة الإعمار…60٪ من الوظائف الجديدة تحتاج إلى مهارات مهنية تقنية

 أ. د محمد حسان الكردي : 

يشكل التعليم التقاني في كل دول العالم مصدراً رئيساً لرفد سوق العمل بالعمالة المدربة حرفياً، كما يؤدي دوراً مهماً في عملية التنمية، وخاصةً في الدول المتقدمة حيث أدت التطورات التكنولوجية والعلمية والثورة المعلوماتية التي تجذرت في وسائل الإنتاج والخدمات إلى الحاجة لتخريج تقنيين بمستوى متقدم يتمتعون بكفاءات عالية.

ويهدف التعليم التقاني الذي يعد أحد أنماط النظام التعليمي بما يتضمنه من تعليم عام ودراسات نظرية وعملية ومهارات تخصصية إلى إعداد القوى العاملة التقانية مهنيا وسلوكيا لممارسة المهنة والإشراف عليها في مختلف المجالات والتخصصات في ضوء متطلبات سوق العمل واحتياجاته نظراً لاختلافه عن التعليم الأكاديمي من حيث أنماطه ومستوياته ومدخلاته ومخرجاته وأهدافه.
وتشير الإحصائيات العالمية في مجال التعليم التقني إلى أن 36% من الوظائف تحتاج إلى أعمال فنية ودراسات تقنية، وأن 60% من الوظائف الجديدة تحتاج إلى مهارات مهنية تقنية.
بهذا المعنى فإن التعليم التقاني يعتبر إحدى الوسائل الرئيسة لإعداد وتأهيل العناصر البشرية في المجالات التقنية والفنية والمهنية بما يضمن للدول بصورة عامة اللحاق بركب الحضارة الذي فرضه الانفجار العلمي والمعرفي والثقافي المتزايد الذي تتسارع فيه الاكتشافات والمعارف العلمية والتقنية المستمرة يتحتم على التعليم التقاني مواكبة التطورات العلمية والتقنية المتزايدة من خلال مؤسساته وبرامجه ومناهجه ومخرجاته التي لا بد أن تخضع لعمليات تقييم وتطوير بصورة دورية من أجل مواجهة التحديات والصعوبات.
وتأتي أهمية تطوير التعليم التقاني في سورية في الوقت الحاضر من أجل توفير الخبرات التقنية اللازمة لمرحلة إعادة الإعمار والمساهمة في بناء سورية حيث عملت الحكومة على توفير كل الوسائل الحديثة من مختبرات علمية وتحديث المناهج لمواكبة التطور الحاصل في مجال العلوم المختلفة والارتقاء بأداء المعاهد التقانية كي تأخذ دورها الفعال في عملية التنمية والبناء.
وحتى تحقق برامج التعليم التقاني الهدف المأمول منها لا بد من تعميق صلاتها بالأهداف التعليمية والتربوية من ناحية وبعالم العمل والإنتاج ومتطلبات خطط التنمية وأهدافها من ناحية أخرى حيث تتكامل وتنسجم هذه البرامج مع العملية التعليمية بهيكليتها الواسعة لتسهم في صقل قدرات الطالب من خلال مراعاتها الفروق الفردية وبنائها على أسس عملية.
إن جامعة دمشق تسعى إلى تطوير برامجها في التعليم التقاني لتكون بالمستوى المطلوب لتنفيذ مهامها ولتغطية الاحتياجات الوطنية من تأهيل الكوادر اللازمة لعمليات الإنتاج، ولما كانت المعاهد التقانية تمثل عنصرا مهما في تأهيل تقانيين بالاختصاصات المختلفة والذين يمثلون بدورهم إحدى أهم الحلقات في سلم التصنيف الوظيفي كان لا بد من البدء بتهيئة هذه المعاهد لتواجه مرحلة إعادة الإعمار القادمة.
وانطلاقا من ذلك يجب البحث عن أفضل الوسائل لتطوير المعاهد ورفع كفاءتها العلمية والإدارية لتلبية حاجات المجتمع، والاستفادة من آراء المختصين وذوي الخبرة، وضرورة إقامة علاقات وشراكات حقيقية بين المعاهد والفعاليات الاقتصادية بما يسهم في تطوير العمل الجامعي الذي ينعكس إيجابا على عالم الأعمال من خلال التدريب العملي الحقيقي. ‏
وهنا لابد أن نذكر ما لخريجي المعاهد التقانية من دور مهم بالسلسلة الوظيفية كحلقة وسيطة بين حملة الشهادات الجامعية الأكاديمية والحرفيين،
وحسب متطلبات الهرم الوظيفي في القطاعات الاقتصادية… تكون الحاجة للتقنيين أكبر بكثير من حملة الإجازة الجامعية حيث تجدر الإشارة إلى أنه في سورية حالياً 202 معهد تقاني، 58 من هذه المعاهد يتبع لوزارة التعليم العالي وقد تم مؤخراً إلحاقها بالجامعات، كما تم اعتماد نوع جديد من التعليم التقاني تحت عنوان الكليات التطبيقية والتي أصبح عددها أربع كليات موزعة على الجامعات السورية.
وعلى الرغم من أهمية ذلك إلا أنه يلاحظ وجود عزوف من الطلاب للإقبال على مجال الصناعة والحرف الصناعية والمهنية، والذي عمّق من تلك النظرة ارتباط صورتها في المجتمع بالشباب الذي أخفق في التعليم، أو لم يستطع الحصول على فرصة قبول في إحدى الجامعات، ليكون المعهد المهني هو الخيار البديل، حيث يُعد تعويضاً عن البطالة فقط، وليس إيماناً بأهمية الحرف الصناعية والمجال المهني ومدى تأثيره في الواقع الاقتصادي.
إن هذه المعطيات تجعلنا بأمس الحاجة إلى تعزيز ثقافة التعليم التقاني في المجتمع من خلال إعادة هيكلته الإدارية وإعادة توزيع الاختصاصات والمعاهد حسب حاجة السوق بعد البدء بمرحلة إعادة الإعمار مباشرة وتفعيل صلاحيات المجلس الأعلى للتعليم التقاني إلى المجالس التقانية في المحافظات وتمكين مديرية المعاهد من القيام بمهامها حسب قرار إحداثها من حيث الخدمات التي تقدمها للمعاهد.
كما تتطلب عملية التطوير دراسة مستقبل سوق العمل والتنبؤ باحتياجاته المستقبلية أثناء رسم سياسات التعليم التقاني وتشجيع إقبال الطلاب على التعليم التقاني وإيفاد أعضاء من الكادر التدريسي والفني للخضوع لدورات تدريبية للاستفادة من تجارب الدول في تطوير التعليم التقاني واشتراط وجود شهادة معهد تقاني من أجل منح الترخيص الحديث لأي مصلحة أو مهنة.
كل ذلك يحتم علينا في هذا الوقت التركيز على التعليم التقاني وتنميته لما له من دور في هذه المرحلة من التحديات التي تواجهها سورية، لأهميته في تحقيق اقتصاد وطني متنوع المصادر ذي قدرة تنافسية عالية، وتحقيق خدمات اجتماعية واقتصادية وبنى تحتية مناسبة، وتحقيق التنمية القائمة على التقنية الحديثة والمعرفة والاعتماد على الرأسمال البشري والفكري، القائم على ثقافة الكفاءة والجودة وأن يرتكز على منظومة مؤسساتية فاعلة وبيئة صلبة جديرة بتحقيق نمو اقتصادي وتنمية مستدامة.
ولا بد من التأكيد على أن تغيير النظرة السائدة نحو المجال التقني والمهني، يتطلب تشجيع جيل اليوم على الصناعة، بدءاً من المدرسة من خلال إيجاد ورش تساعد على الإبداع والابتكار، وتوجيهه نحو المراكز المختصة التي تؤهله للدخول في هذا المجال.

رئيس جامعة دمشق

مقالات ذات صلة

Do NOT follow this link or you will be banned from the site!

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock