أولويات سورية

| محمد بلوط 

على عكس مقابلات كثيرة خصصت للإعلام الأجنبي، الأرجح، أن المقابلة التي أجرتها «الوطن» مع الرئيس بشار الأسد، تمنح لتظهير أولويات سورية، بسبب بداهة ما يطرحه لقاء مع صحيفة تنطلق من هموم داخلية صرفة، وتحرره من هموم السبق الصحفي، والأسئلة الاستعراضية التي تعتري غالباً، اللقاءات مع وسائل الإعلام الأجنبية.
إن دمشق تملك حذراً غريزياً من الاستتباع، وبالتالي فإن إعادة الإعمار لن يكون المعركة التي تخسر فيها سورية استقلالية القرار السياسي والاقتصادي، بعد أن دفعت بحراً من الدماء في السنوات الخمس الماضية، لصيانته.
التصور الرئاسي السوري وإن كان لا يسهب في الحديث عن آليات تمويل إعادة الإعمار الذي سيكون استكمالا لمعركة سورية، إلا أنه يتميز في طياته، باستبعاد السقوط في التجربة «اللبنانية» التي انتهت إلى كارثة من المديونية أثقلت على أجيال من اللبنانيين، دون أن تبلغ أهدافها المعلنة.
لا دول مانحة، ولا تسول على موائد الدول الغنية، والتمويل سيكون داخلياً، يجزم الرئيس الأسد، وعلى السوريين أن يعتمدوا على أنفسهم لإعادة بناء ما هدمته الحرب، والرساميل السورية المهاجرة مدعوة للعودة، فضلاً عن الرهان الكبير على الزخم وعامل الجذب الذي يشكله اقتصاد إعادة الإعمار للاستثمارات الخارجية.
أما أسئلة من يقرر في دمشق، ولدمشق، ومدى حضور الروس في القرار السوري، كان من المهم إيضاح أن كل المواقف الروسية، تندرج في إطار التفاهم المسبق مع دمشق، من دون أن تظهر آليات اتخاذ القرار إلى العلن، ذلك أن إدارة مواعيد الهدن والاشتباك في حلب، أظهرت تقسيماً للعمل، يمنح العسكري للجيش السوري ودمشق، فيما يبدو الدبلوماسي الدولي ميدانا، يحتله بشكل خاص وزير الخارجية الروسية سيرغي لافروف.
ليس سراً أن دمشق لم تكن شديدة الحماسة للانخراط في جنيف وحكومته الانتقالية، التي تأخذ منها بالسياسة ما ربحته بالحرب، وهي حماسة لن يتقد جمرها بعد انتصارها في حلب، فالقراءة الرئاسية السورية للتسوية السياسية ما بعد حلب لم تتغير، لكنها تتبلور بشكل أفضل، وبديهي أنه لا تصور نهائياً قبل انقشاع غبار المعارك في حلب، ولكن لا طاولة لأي حوار داخلي مشروط بضمانات تتجاوز القانون، والتصور الرئاسي السوري للتسوية يريد الاستقواء بعناصر الحل الداخلي، الذي باتت حلب مدخله مع انتصارات الجيش، ويربط نجاحه بمدى انفكاكه عن الأجندات الخارجية.
اللقاء الرئاسي يخاطب أيضاً التساؤلات عن جدوى المصالحات، والممرات الانسحابية للمجموعات المسلحة نحو إدلب، وهنا، لا تزال الإستراتيجية السورية على حالها، ولن تتغير، بل وقد تتصاعد التسويات المحلية، وما كان سياسة متفرقة غير واضحة المعالم طوال سنين، يبدو الآن قواما متجانسا على مستوى سورية.
إن الرئيس الأسد لا يراهن على استبدال التسوية السياسية، بالمصالحات، كما قال، ولا على سياسة الباصات الخضراء إلى إدلب التي تمنح صك براءة للمنسحبين، لكن المصالحات والباصات الخضراء، خففت من الاحتقان الداخلي ومن أعباء الجيش السوري ليتفرغ لجبهات أخرى.
جلي أن دمشق كانت سعيدة بوصول دونالد ترامب إلى البيت الأبيض، ولكن طريقة تكوين الفريق الرئاسي الجديد، لا تزال تثير القلق، والفرح المكتوم لا يزال ينتظر، أن تفرض الإدارة الجديدة بعض الترتيب والتجانس في الإستراتيجيات على مؤسساتها الدفاعية والدبلوماسية، قبل أن ينضوي في تحالفها الجديد ضد الإرهاب، دمشق أو غيرها.
الرئيس الأسد ينتظر أن ينفذ الرئيس دونالد ترامب، ما وعد به المرشح ترامب، كي يتبين له، ولنا، المستقبل.