أبعاد معاني انتصار حلب

| صياح عزام 

قبل عدة أسابيع، ومع اقتراب موعد الانتخابات الأميركية، بدأ الجيش السوري وحلفاؤه يعدّون العدة لتحرير شرق حلب، حيث أنجزوا طوق الحصار على الشطر الشرقي من المدينة، بعدما مهدت له شهوراً من التحضير الميداني والعملياتي وخاصة أن الإرهابيين اتخذوا من شرق حلب معقلاً لهم، بدعم من مشغليهم ورعاتهم في السعودية وقطر وتركيا.
نتيجة لهذا التحضير، تم مؤخراً انتزاع عاصمة الشمال من فم الإرهابيين القتلة التكفيريين الذين أذاقوا سكان شرق حلب الأمرين قتلاً ونهباً واضطهاداً، لدرجة اتخاذهم دروعاً بشرية لحماية أنفسهم. ويمكن القول بأن انتزاع شرق حلب من أيدي هؤلاء القتلة، يمهد لبدء العد العكسي لنهاية الحرب الظالمة على سورية على دفعات، وأصبح سيناريو جعل حلب مرادفاً لنموذج (بنغازي) الليبي، حيث تسقط عاصمة البلاد الثانية تمهيداً لدك العاصمة الأولى، وإسقاط السلطة فيها، أصبح بحكم المنتهي، بعد أن انتهت مفاعيل ابتلاع شرق حلب وإبقائه محطة استنزاف متواصل للجيش السوري وحلفائه… هذا هو المعنى الأول لمعركة حلب.
أما المعنى الثاني فيتعلق بإعادة تنشيط مسار الحل السياسي الذي التزمت به سورية منذ بدء الأحداث فيها وعطله الإرهابيون ورعاتهم خاصة في السعودية وقطر.
بالطبع، ينبغي ألا يغيب عن بال أحد أن كل جريمة ارتكبت في شرق حلب قبل تحريرها، عدا كونها كذلك «أي جريمة» لها مفاعيلها وتداعياتها المتعددة، ومنها أنها تستولد إرهابياً جديداً، وقف يبتهج بها، أو يغض النظر عنها، يفترض أن يتوقع مردودها عليه، وهذا ما تجسد بالتظاهرات التي قام به سكان شرق حلب أكثر من مرة، مطالبين الفصائل الإرهابية بمغادرة أحيائهم، ما جعل الفصائل المذكورة تفرق تلك التظاهرات بإطلاق الرصاص الحي على المتظاهرين.
هذه القاعدة حاكمة لمجريات الأحداث ليس في سورية فحسب بل في سائر المنطقة. كذلك الموقف الأخلاقي هنا والمتصل بالمصلحة السورية العامة، ينبغي أن يكون ملازماً لقراءة مسار الحرب على سورية قراءة موضوعية من حيث أهدافها ومراميها، وبعيدة كل البعد عن ادعاء «الثورة» والمطالبة بالعدالة والحرية والمساواة.
ومما يلفت النظر، هو أن يتنطح إرهابيو «جبهة النصرة» الذين شكلوا الأغلبية العظمى من مسلحي شرق حلب ليعيروا من لم يسر في ركب سياستهم، حيث راحوا يزايدون على الآخرين من منطلق تجارة المواقف والانتهازية، ولا سيما دعواتهم الكاذبة ودعوات أسيادهم فيما يتعلق بحماية المدنيين في شرق حلب، فمثل هذه الدعوات حول حقوق الإنسان دعوات مغرضة وكاذبة، وتأتي لتخدم سياسة رعاتهم، وبالتالي، فهم الذين سفكوا دماء أبناء شرق حلب ويتاجرون بها الآن لتحقيق المزيد من المكاسب. ولو كانوا حريصين على أبناء شرق حلب لما أطلقوا النار على من حاول منهم الخروج إلى غرب حلب عن طريق الممرات الآمنة التي وفرتها القوات السورية والروسية، ولما احتكروا المواد التموينية في مستودعات خاصة وحصروا توزيعها على عناصرهم وعلى المتعاملين معهم فقط، وهناك مثال آخر في هذا السياق وهو أن من هلل لتفجير «مشفى الكندي» وقتل أطباءه وممرضيه وحتى بعض مرضاه في حلب من الإرهابيين (ممن يسمون المعارضة المعتدلة)، من المفيد الرجوع إلى أرشيفه الزاخر بدعم الإرهاب والقتل حتى يتضح أكثر هزال ادعاءاته الثورية. وفي هذا السياق أيضاً، تأتي الادعاءات الكاذبة والمزيفة التي يرددها ما يسمى «المرصد السوري لحقوق الإنسان» بأن نصف السوريين قد قتلوا، وللعلم، فإن هذا المرصد تموله «محمية قطر» وله إرث كبير في تشويه الحقائق ونشر المعلومات والأرقام المزورة خدمة لأجندة أميركية وغربية.
لا شك بأن مثل هذه الادعاءات والأكاذيب التي يروجها الإرهابيون ورعاتهم في المنطقة وفي الخارج، ولا سيما من بريطانيا وفرنسا، الدولتين الاستعماريتين، لا علاقة لها بحقوق الإنسان من قريب أو بعيد، بل تستخدم لتحقيق مصالح سياسية واقتصادية. وبعبارة أخرى، أصبحت مسألة حقوق الإنسان مجرد «ألعوبة» بيد الخارج، أو «شماعة» لمثل هذه الدول الغربية التي تهوى بالأساس شيطنة المطالبة الحقيقية بهذه الحقوق من حيث المبدأ، هذا هو إذاً المعنى الثاني لمعركة حلب.