الرئيسية | سورية | انسداد الآفاق أمام أنقرة.. هل يدفعها إلى المغامرة؟

انسداد الآفاق أمام أنقرة.. هل يدفعها إلى المغامرة؟

| عبد اللـه علي

أقلُّ ما تشي به التصريحات المتضاربة التي تصدر عن المسؤولين الأتراك منذ سيطرة «درع الفرات» على مدينة الباب، هو أن السياسة التركية تعاني مأزقاً حادّاً ولاسيما وسط انسداد الآفاق أمامها للقيام بأي دور مؤثر في مرحلة ما بعد المدينة. التصويب تارة على منبج وتارة أخرى على الرقة وأحياناً على تل أبيض، جميعها محاولات للفت الأنظار والقول إنني موجودة، رغم أن الساسة الأتراك والعسكريين أكثر من يدرك أن عملية «درع الفرات» قد وصلت خواتيمها.
هذه الحقيقة أقرّ بها صراحة رئيس الأركان التركي خلوصي أكار يوم الجمعة الماضي عندما قال: «إن عملية درع الفرات التي تقودها بلاده في شمال سورية والتي بدأت قبل ستة أشهر حققت أهدافها في أعقاب السيطرة على مدينة الباب السورية»، وأضاف «تحققت الأهداف الموضوعة في بداية العملية، بعد ذلك سيتم تقديم الدعم لإعادة الحياة لطبيعتها ولعودة السكان المحليين بسرعة لمنازلهم» حسب قوله.
كان من شأن هذا التصريح الصادر عن العسكري المختص والمطلع على كواليس العملية وخلفياتها والظروف الإقليمية والدولية التي سمحت بالقيام بها ضمن شروط محددة، أن يقفل ملف عملية «درع الفرات» ويضع حداً للجدل الدائر حول إمكانية استمرارها وسيناريوهات ذلك. غير أن التصريحات التي صدرت عن المسؤولين الأتراك تجاهلت أو أخفت الحقيقة السابقة، وواصلت بثّ التهديدات المجانية بالتقدم نحو هذه المنطقة أو تلك، متعمدةً الإيهام بأن العملية مستمرة والخيارات أمامها مفتوحة.
ولعلّ معطيات الميدان وحقيقة الوقائع على الأرض تكفيان للردّ على التهديدات السابقة وخاصةً في ظل التقدم المتسارع للجيش السوري في ريف حلب الشرقي والذي توّجه، أول من أمس، للسيطرة على بلدة تادف وكذلك قضم عشرات القرى في محيط دير حافر حتى تمكن خلال ساعات قليلة من الوصول إلى مناطق سيطرة «قوات سورية الديمقراطية» المتمركزة في محيط العريمة، ما يعني قطع الطريق عملياً أمام «درع الفرات» للتقدم من هذا المحور، هذا من جهة، ومن جهة أخرى، فإن مدينة منبج تخضع لتوازنات دقيقة ليس من السهولة بمكان الإخلال بها. وبالرغم من تضارب الروايات حول النقاشات التي حصلت أثناء زيارة الجنرال الأميركي جوزيف فوتيل إلى عين العرب الأسبوع الماضي، إلا أنه من المؤكد من خلال تقاطع الروايات أن واشنطن لن تسمح باندلاع قتال بين حليفيها «قسد» والجيش التركي، بل ستحاول المحافظة على التوازن بينهما من خلال الحوار.
وهنا لبّ المأزق الذي شعرت السياسة التركية أنها وقعت فيه بعد أن تكلفت ثمناً بشرياً ومادياً وحتى معنوياً مرتفعاً جداً من أجل احتلال مدينة الباب، حيث اكتشفت أن انخراطها المتأخر في محاربة تنظيم «داعش» ورهانها على أن يمنحها هذا الانخراط شرعية دولية تتيح لها التمدد كما شاءت ضمن الأراضي السورية، وصولاً إلى المشاركة الفعالة في معركة الرقة، كان رهاناً خاسراً بامتياز. وربما خير ما يعبر عن هذه الخيبة ما كتبه الصحفي إبراهيم قراغول المقرب من الرئيس التركي أردوغان في صحيفة يني شفق حيث استغرب صمت الدول عن الاحتفال بما أسماه «الانتصار الكبير» وذلك عكس ما لو كانت «قسد» هي التي سيطرت على الباب. لكن هل عين تركيا بالفعل على معركة الرقة كما يقول ساستها أم وراء الأكمة ما وراءها؟.
بحسب الكاتب الذي يوصف بأنه مقرب من نظام الرئيس رجب طيب أردوغان كما أن صحيفة يني شفق التي يكتب فيها تعتبر ناطقة بلسان «حزب العدالة والتنمية» الحاكم، فإن معركة الرقة ليست مهمة بالنسبة لتركيا، بل المهم تصفية مناطق سيطرة «الأكراد» كما سماها. وطالب بضرورة استمرار «درع الفرات» في الشرق والغرب «يجب علينا تنظيف عفرين، منبج، تل أبيض، عين العرب (قوباني) من تنظيم البي كا كا. فهذه المسألة تخص مستقبل تركيا، هي مسألة إيقاف عملية حصارية موجهة إلى الأناضول».
ويبدو أن القطبة المخفية في هذا التصعيد التركي الخارج عن منطق الميدان على الأرض، تكمن في محاولة التناغم مع التصعيد الأميركي ضد إيران. إذ لم يعد خافياً حجم التغيير الذي طرأ على الخطاب التركي إزاء طهران، وهو ما تسبب بسجالات علنية بين الطرفين، كان من الواضح أن الآلة الإعلامية الموالية لأردوغان تعمل على تضخيمها بشكل غير منطقي حتى إن بعض الكتّاب بدأ يتساءل عن إمكانية نشوب حرب بين البلدين.
وقد يكون الهدف من وراء ذلك، إيصال رسالة إلى الساكن الجديد في البيت الأبيض دونالد ترامب مفادها أن تركيا حسمت خياراتها وقررت المضي قدماً وراء واشنطن في سياسة «تقليص نفوذ إيران في المنطقة» وأنها تملك الأدوات اللازمة لتحقيق ذلك ولاسيما في سورية. وكأنّ تركيا بذلك تريد الحصول على الشرعية تحت يافطة «محاربة النفوذ الإيراني» بعد أن أخفق رهانها على «محاربة داعش» في تحقيق ذلك.
وهنا يبرز السيناريو الذي تحدثت عنه الصحف البريطانية بالتزامن مع بدء معركة الموصل في العراق ومشاركة «الحشد الشعبي» في عمليات تلعفر الحدودية مع سورية، حيث اعتبرت صحيفة الغارديان أن هذا يأتي في سياق خطة إيرانية تهدف لفتح طريق بري من طهران إلى البحر المتوسط يمر عبر ربيعة في الحسكة والقامشلي وريف حلب.
وكان لافتاً أن الكاتب قرا غول أشار إلى هذا السيناريو بقوله «مهما كان موضوع عملية الرقة فالمهم لدينا هو مقاومة تنظيف كامل تلك القناة الممتدة من حدود إيران إلى البحر الأبيض المتوسط بمخططنا» ولم يفت الكاتب أن ينضم إلى جوقة التهويل فقال «وإن لم نقم بذلك اليوم، حتمًا سنرى الحرب غدًا داخل الأناضول».
فهل ستتمكن السياسة التركية من استدراج الإدارة الأميركية نحو مخططها المخادع الذي لا يتوخى في نهاية المطاف إلا التخلص من الهاجس الكردي تحت أي ذريعة كانت أم إن هذا المخطط سيظل مجرد تعبير عن مدى المأزق الذي وصلت إليه السياسة التركية لدرجة أنها مستعدة للمغامرة بكل شيء من أجل الخروج منه؟.