الرئيسية | الأولى | ترامب وسورية: أزمة رؤية

ترامب وسورية: أزمة رؤية

| بيروت – محمد عبيد 

هل يكفي أن ترغب الولايات المتحدة الأميركية في أمر ما حتى يتحول إلى واقع فعلي؟ تساؤل أثارته تصريحات الرئيس الأميركي الجديد دونالد ترامب المتتالية حول إقامة «مناطق آمنة» على الأراضي السورية.
في الحالة السورية، يبدو أن هذا الأمر صعب المنال إن لم يكن مستحيلاً حتى الآن. فالحدود السورية مع دول الجوار غير المُعادية كالكيان الإسرائيلي: العراق، لبنان، تركيا والأردن صارت تخضع لاعتبارات عسكرية-أمنية وسياسية تمنع استثمارها في تحقيق الرغبة الأميركية مع الاحتفاظ باستثناء ضعيف الاحتمال يخص الحدود الأردنية، إضافة إلى أن الوقائع الميدانية الجديدة التي فرضها الجيش العربي السوري وحلفاؤه على أكثر من جبهة قتالية مع المجموعات الإرهابية التكفيرية أغلقت كل الأبواب أمام إمكانية اقتطاع أي جزء من الأراضي السورية وتحويلها إلى مناطق مستقلة معزولة يمكن تحقيق الرغبة الأميركية انطلاقاً منها.
لذا تتداول بعض الأوساط الأميركية والإقليمية التابعة لها فكرة الاستعاضة عن تلك الرغبة بالسعي إلى تحسين الظروف الأمنية والمعيشية في مناطق تشهد مستوى أقل من التصعيد العسكري من مناطق أخرى مشتعلة. وتعزو بعض هذه الأوساط سبب التراجع الضمني الأميركي عن الضغط دولياً وإقليمياً لتحقيق الفكرة الأولى إلى أسباب عدة أبرزها: أولاً، إن المناطق الآمنة تحتاج إلى قوة عسكرية فاعلة تؤمن لها الحماية وتمنحها الاستقرار الذي يسمح بتوصيفها «آمنة» فعلاً، وهو أمر لا يمكن أن تضمنه واشنطن ما لم يكن تحت سيطرة قوات أميركية تتجنب الإدارة الجديدة حالياً إرسال بعضها على الأقل خوفاً من التورط المباشر في الأزمة في سورية، إلى جانب أن هذه الإدارة باتت على ثقة أن حلفاءها المفترضين من دول أو قوى محلية ليست لديها القدرة على تحقيق ذلك من دون الانغماس في حروب عرقية والحالة التركية- الكردية أوضح مثال. ثانياً، إن إدارة هذه المناطق تحتاج إلى سلطة تدير شؤونها المدنية والمعيشية والإنسانية بما يسمح بإمكانية العيش المستقر فيها، ناهيك من تأمين التمويل الدائم لاحتياجاتها في وقت تتهرب فيه الكثير من الدول من الإيفاء بالتزاماتها المادية لرعاية ومعالجة اللاجئين والنازحين السوريين. ثالثاً، الخوف من تحول هذه المناطق إلى ما يشبه «كانتونات» منفصلة عن محيطها وتتمتع بشكل ما بالاستقلالية السلطوية التي يمكن أن تؤسس لـ«لا مركزية سياسية» لا ترغب واشنطن في تكريسها لأنها تتناقض مع التزاماتها وفقاً للقرارات الدولية التي تؤكد وحدة الأرض ومركزية الدولة في سورية. رابعاً، إن ضمان نجاح هذه الفكرة يحتاج إلى تفاهم إجباري مع الطرف الدولي الأكثر نفوذاً وتأثيراً في سورية: روسيا. وهو تفاهم لا يقتصر على الجانب السياسي بل يجب أن يشمل تنسيقاً عسكرياً أرضاً وجواً عميقاً وتفصيلياً يرسم خطوط التعاون ويمنع التصادم ولا يعوق استكمال المعركة التي تخوضها موسكو وحلفاؤها ضد المجموعات الإرهابية، وخصوصاً إذا حاولت هذه المجموعات الاحتماء في محيط تلك المناطق.
من الواضح أن روسيا وحلفاءها ليسوا في وارد تقديم مثل هذه الهدية لترامب وإدارته التي لم ينجح حتى اليوم في استكمال تكوينها والذي للسبب نفسه لم يوفق أيضاً في وضع رؤية إستراتيجية لمقاربة الأزمة في سورية ناهيك من أزمات المنطقة كافة، هذه الأزمات التي يختصرها بسعيه للمزاوجة بين رغبته في سحق «داعش» في العراق وسورية وبين دفع إسرائيل له لحصار إيران من جديد وعزلها عن العراق وسورية وروسيا أيضاً، هذا إذا وضعنا جانباً أزماته الداخلية التي تتوالد يومياً!