الهلال البريطاني!

| علي هاشم

ينهمك ساعي البريد الهاشمي في مهمة جديدة لتوصيل الرسائل إلى سورية والعراق مجسدا الدور الوظيفي للعرش الذي طوّبته بريطانيا.
فقبل أيام، دُفع مع آخرين للتحرّش بجغرافيتهما الاقتصادية مجتراً أكذوبته الصغيرة الملقنة -«الهلال الشيعي»- لتغطية عمليات متوقعة تعكف بريطانيا على خوضها جنوب وشرق سورية عبر مجموعات عميلة كان الهاشمي اضطرّ لافتضاح تشكيلها حين ضبطته الولايات المتحدة الأميركية متلبسا وهو يبلّل فراش المخابرات البريطانية، فطفق يشرح للجنة من الكونغرس يرأسها جون ماكين، تفاصيل منحوتاتها الإرهابية من «عناصر محلية وعشائرية».
بالتزامن مع مهمة الهاشمي الجديدة، ومن معقله الذي لطالما شكّل ملاذا آمنا للقوات البريطانية إبان احتلال العراق، ذهب زعيم التيار الصدري لشن هجوم مباغت على سورية، مجسدا بشكل عفوي «الهلال البريطاني» الآمن بما يستضيفه من أنبوب نفط يخترق «الهلال الشيعي» من البصرة إلى العقبة كُوفئ الهاشمي به لمشاركته القيّمة بتسهيل احتلال العراق.. للمفارقة، فهو الأنبوب الوحيد الذي تخطى صراع المصالح المعقّد وخرائط الإرهاب شرق المتوسط.
«هلال بريطانيا» المتخفي ببدعة «الشيعي» لم يكتمل بعد، وسيبقى معلّقا لحين استنهاض أنابيبها «التابلاين» و«الموصل-حيفا»، والقضاء على أنبوب «الموصل- بانياس».
فالأول القادم من السعودية، تم تحويل مصبّه من ميناء حيفا إلى صيدا اللبنانية بعد احتلال فلسطين قبل توقفه إبان احتلال الجولان التي يمر بأراضيها، أما الثاني فيربط آبار الموصل بحيفا، ولربما حان موعد تشغيله مجدداً على أرضية ما جرى في قمة عمّان الأخيرة بعد 12 عاماً من توقف ماراتوان مفاوضات الهاشمي مع حكومة إرييل شارون لإعادة تشغيله.
كلا الأنبوبين «البريطانيين» لن تكتب لهما الحياة مجدداً ما لم يتم دفن الثالث عبر تبديد «فضاء البحار الخمسة» الذي كسر «تابوه» تلاقي الجغرافيتين السورية والعراقية وأعاد الاعتبار لبلاد الرافدين وشواطئ المتوسط كممر تاريخي لطرق التجارة وأنابيب النفط ومن ضمنها أنبوب «الموصل- بانياس» الذي بات يلخّص -راهنا- تفاهم المصالح البريطانية مع الأميركية ممثلة بوزير خارجيتها القادم من رأس شركة «إكسون موبيل» الشريك المؤسس في ملكيته قبل تأميم قسميه العراقي والسوري إبان تأميم شركة نفط العراق عام 1972، ومع المصالح الفرنسية التي ترى في انتدابها الموعود على سورية، فرصة لاستعادة حصتها منه في قسمه السوري.
ضمن هذا الواقع التآمري، ومع تعاظم الإحساس بخطر التلاقي العراقي السوري المحتمل جراء انتصارات الجيشين في الموصل وتدمر وشرق حلب، أفلتت بريطانيا ملكها الهاشمي وبقية عملائها ضد الجيش السوري، تلاقيا مع القرار الأميركي الفاضح بوقف الجيش العراقي عن إتمام تحرير الموصل.
الجبهة السورية احتسبت ثمن الرسائل البريطانية القادمة على ظهر الهاشمي، أما على المقلب العراقي، فثمة ترددات سياسية واقتصادية مديدة، فما أن تنجح بريطانيا باقتطاع جسر بري شرق سورية، حتى يُحشر العراق في خيار استبدال أنبوب «ميناء بانياس» بـ«الموصل- حيفا» وليس ميناء العقبة، فهذا الأخير خالي التنافسية للدرجة التي لم يسعف فيها الهاشمي حتى بتخفيض واردات مملكته عبر ميناء طرطوس عن 60%.. بعد ذاك، سيمكن لأنابيب التابلاين المتوقفة التدفق مجدداً من السعودية إلى حيفا، لتلحق بها رزمة أخرى من قطر والخليج..
اقتصاديا، هنالك كلفة أكثر خطراً على العراق إذا ما انقطع تواصل بلاد الرافدين وشواطئ المتوسط، فهذه الجغرافية الاقتصادية التي ولدت على ترابها الإمبراطورية البريطانية عبر ذراعها الاقتصادية «شركة الهند الصينية»، هي أبهر العراق الذي ما أن ينقطع حتى ينكفئ إلى طرق تجارية بديلة تضعه في آخر موقف الحافلة الجيو اقتصادية لشرق المتوسط، موقف لن يذهب إليه سوى سكانه بعدما يتحوّل إلى حديقة خلفية لاقتصاد الهاشمي الذي سيكون بدوره حديقة خلفية للعرش الصهيوني المطوّب بسيف «الهلال البريطاني».
خطط «الهلال البريطاني» النفطية الجاثمة فوق تطلعات العراق وسورية تثير أيضاً تحديا تاريخيا لروسيا عبر كوريدور الاحتياجات الطاقوية الأوروبية، ضمن هذه السلّة المضمخة بالأحلام الغربية، سيكون على الجيوش الثلاثة الدفاع عن مصالح شعوبهم بمنع انقطاع الجغرافية السورية العراقية.
سورية وروسيا تفعلان حاليا.. ليبقى على الحكومة العراقية الانتفاض على القرار الغربي بتأخير تحرير الموصل، ومن ثم توحيد العمل العسكري على طرفي الحدود.