النصرة تمتلك سلاحاً كيميائياً ومنظومة متكاملة من الكوادر والقيادات .. «أبو بكر» أمير أردني يتحكّم بـ«ملف الكيميائي» في الغوطة الشرقية!

| عبداللـه علي

لا تمتلك جبهة النصرة سلاحاً كيماوياً وحسب، بل لديها منظومة متكاملة من الكوادر والقيادات التي تتولى مهام تصنيع وتطوير بعض أنواع الأسلحة الكيميائية، وتدريب نخبة من عناصرها على كيفية استخدامها، وكذلك تأمين الطرق اللازمة لتوريد هذه الأسلحة أو المواد الأولية الداخلة في صناعتها إلى مناطق سيطرتها من دول الجوار.
هذه الحقائق ليست جديدة، بل تعود إلى سنوات مضت، غير أنها بقيت خارج التداول الإعلامي والاهتمام العالمي لأسباب مختلفة، رغم أن بعض التصريحات القليلة التي صدرت من عواصم القرار كانت تحذر من خطر حيازة جماعات «القاعدة» أسلحة كيميائية، لكن من دون أن يعقب ذلك أي جهد حقيقي للتصدي للخطر المشار إليه.
وعاد الكلام عن السلاح الكيميائي إلى صدارة المشهد منذ حادثة خان شيخون في ريف إدلب الجنوبي بعد أن خفت بدرجات متفاوتة طوال الأعوام التي تلت حادثة الغوطة الشرقية عام 2013، ويبدو أن الغوطة الشرقية ستكون «المبتدى والمنتهى» في هذا الموضوع الحساس والخطر الذي بات يهدد الأمن الإقليمي والعالمي، فقد تبيّن أن البنية التحتية والكوادر التنظيمية الخاصة بجبهة النصرة في الغوطة الشرقية، التي تتولى الإشراف على ملف السلاح الكيميائي تصنيعاً واستخداماً، ما زالتا قائمتين وتمارسان عملهما بانتظام ودون أي عقبات.
والمفارقة أنه تم الكشف عن اسم العقل المدبر الذي يقف وراء تطوير وتصنيع السلاح الكيميائي في جبهة النصرة قبل أسابيع من وقوع حادثة خان شيخون، في ظل مخاوف بعض النشطاء المستقلين من إمكانية استخدام هذا السلاح في أي وقت، غير أن هذه المعلومات التي يفترض أنها في غاية الخطورة لم تسترع اهتمام أي جهة.
تشير المعلومات إلى أن المسؤول الأول عن ملف الكيميائي في الغوطة هو أردني يحمل لقب «الملا الأردني أبو بكر» ويعرف منصبه رسمياً في أوساط جبهة النصرة بـ«أمير الكيمياء».
ونتيجة حساسية الملف الذي يتولاه وما يتطلبه من سرية وتكتم، فإن المعلومات المتوافرة، حتى الآن، عن «الملا الأردني أمير الكيمياء» هي معلومات قليلة لكنها تكفي لرسم صورة عن طبيعة عمله وعلاقاته، فالمّلا مقاتل سابق في أفغانستان، وقابل هناك معظم قادة تنظيم «القاعدة»، وهو يتمتع بخبرة واسعة في مجال الأسلحة غير التقليدية، ولديه مهارة فائقة في المزوج الكيميائية نتيجة الدورات التعليمية والتدريبية التي خضع لها في أفغانستان وصقلتها بعد ذلك تجاربه العملية ولا سيما في سورية.
ويصفه بعض العارفين به بأنه «أخطر رجل أردني في الغوطة، هو غريب الأطوار دائم الصمت لا يتكلم إلا نادراً، لا يخالط أحداً، ولا يجلس في المقرات العامة»، وفي إشارة إلى مدى تعلقه بتنظيم «القاعدة» وتعلقه به يذكر هؤلاء أن داعش عرض عليه إغراءات كثيرة لمبايعته والانضمام إليه فرفضها، وقال: «أنا قاعدة وسأموت على هذا»، كما ورد في قناة الشيخ محمد الأمين على تلغرام، وهو ناشط معروف بمتابعته لكواليس بعض الحركات الإسلامية، وسبق له نشر العديد من الأحداث بصورة حصرية ثبتت صحتها لاحقاً.
ولا بدّ من التذكير هنا بأن الصحفي الأميركي المخضرم سيمور هيرش كشف قبل نحو 4 أعوام ضلوع جبهة النصرة في الغوطة في استخدام الأسلحة الكيميائية (مشيراً إلى السارين بشكل خاص) وامتلاكها القدرة على إنتاج كميات كبيرة من هذه الأسلحة، وذلك في تقرير مطول نشره آنذاك في مجلة «لندن ريفيو أوف بوكس».
ويعتقد أن الملا الأردني هو واحد من المعتقلين الاثني عشر الذين اعتقلتهم السلطات التركية في شهر أيار من عام 2013 بتهمة حيازة مادة السارين، قبل أن تقوم بالافراج عنهم رغم علمها بانتمائهم إلى جبهة النصرة، وذلك حسب ما قال لـ«الوطن» صحفي تركي متابع لملف تورط أنقرة في دعم «التنظيمات الجهادية» لكنه فضل عدم الكشف عن اسمه بسبب خشيته من الاعتقال.
كذلك اعتقلت أنقرة في تشرين الثاني من عام 2013 أي بعد أسابيع مما سمي «مجزرة الكيميائي في الغوطة» القيادي في جبهة النصرة عبد اللـه الخالدي، سعودي الجنسية، ومعروف بلقب أبي المنذر الخالدي، لكن هذه المرة لملابسات مختلفة، فقد جاء اعتقال الخالدي بسبب اعترافه بحيازة جبهة النصرةعلى قنابل تحتوي على مواد كيميائية بالتزامن مع التصعيد الدولي بحق سورية بسبب اتهامها باستخدام الكيميائي في الغوطة، الأمر الذي اعتبرته السلطات التركية خطأ قاتلاً لا يمكن السكوت عليه.
ومن اللافت أن معظم المناطق السورية التي شهدت هجمات غازية أو كيميائية أو ادعاءات بوقوعها، تعتبر ذات صلة بالجانب التركي، سواء من جهة التواصل الجغرافي كما في مناطق الشمال السوري حلب وإدلب، أم من جهة مرور الأشخاص المعنيين بتركيا، كما في الغوطة الشرقية، على حين لم تشهد المناطق الحدودية مع لبنان والأردن على سبيل المثال، حدوث أي هجمات من هذا النوع.
وفي هذا السياق، أعلنت السلطات التركية في نهاية العام الماضي أنها اعتقلت عبد اللـه مدحت مرسي، مصري الجنسية، وهو نجل «كيميائي القاعدة» مدحت مرسي الذي قُتل قبل سنوات بغارة جوية في باكستان.
وكان مرسي الابن قد دخل إلى سورية عام 2013 ومارس نشاطه الكيميائي فيها متنقلاً عبر الحدود التركية دون أن يعترضه أحد حتى نهاية العام الماضي، ورغم اعتقاله، إلا أن ثمة شكوكاً كبيرة حول مصيره وطريقة تعاطي السلطات التركية معه نتيجة غياب المعلومات عنه منذ ذلك التاريخ.
وما تنبغي الإشارة إليه هو أن أحد أصدقاء مرسي، المدعو أبو بصير المصري، هو المصري الوحيد الذي يعمل مع الملا الأردني في صناعة الكيميائي واستخدامه بالغوطة.
وكشف الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، الأسبوع الماضي، عن «معلومات من مصادر موثوقة، بأن استفزازاً يخص الأسلحة الكيميائية يحضر له على الأراضي السورية، بما في ذلك منطقة دمشق»، وهو ما يتقاطع على الأقل مع المعلومات الواردة أعلاه حول استمرار نشاط جبهة النصرة الكيميائي في الغوطة الشرقية وتربّع «جهادي» أردني على رأس المنظومة التي تتولى تصنيعها واستخدامها.
فهل ستلقى تحذيرات الرئيس الروسي آذاناً مصغية أم إن التاريخ سيعيد نفسه وسيكرر الرئيس ترامب ما قام به سلفه أوباما لجهة التقليل من أهمية التقارير الاستخبارية التي تتحدث عن «قدرة النصرة على تصنيع واستخدام السارين»، كما اتهمه بذلك سيمور هيرش في تقريره السابق قبل أربع سنوات؟