رغم أهمية المفاوضات الإيرانية–الأمريكية المرتقبة في العاصمة الباكستانية إسلام آباد، وما يعول على نتائجها عالمياً، يشكل ترأس محمد باقر قاليباف، رئيس البرلمان الإيراني وفد إيران، بما يمثله من كونه “تكنوقراط الحرس” وصاحب الخبرة الطويلة في السياسة الداخلية والأمنية، في مواجهة جي دي فانس، نائب الرئيس الأمريكي، ممثل النهج الصارم لسياسة “أمريكا أولاً”، حيثية بالغة الأهمية، ورمزية تعكس حرص كل طرف على الخروج بحصاد كبير من إسلام آباد.
مما لا شك فيه أن جلسة المفاوضات بين واشنطن وطهران، لا يمكن فهمها بمعزل عن الخلفيات الشخصية والسياسية لكل طرف، والتي تشكل إطارًا تكتيكيًا لعملية التفاوض.
وفي هذا الإطار فإن قاليباف ليس مجرد رئيس برلمان؛ هو نتاج أربعين عامًا من التجارب العسكرية والسياسية التي صاغت شخصيته الفريدة، نشأ في خراسان، خاض حرباً طويلة ضد العراق، ثم تنقل بين قيادة الشرطة، وبلدية طهران، وأخيراً رئاسة البرلمان، محافظاـ على شبكة علاقاته داخل الحرس الثوري، وهذه المسيرة تمنحه قدرة فائقة على قراءة المزاج السياسي الداخلي، والتحرك بمرونة بين ملفات الأمن والاقتصاد والسياسة.

يمكن اعتبار أسلوب قاليباف في المفاوضات مزيجاً من الانضباط العسكري والإدارة التنفيذية، مع ميل لإظهار قدرته على التفاوض دون المساس بالثوابت الوطنية للنظام الإيراني، وخبرته الطويلة في إدارة الأزمات الداخلية، سواء كانت احتجاجات 1999 أو اضطرابات 2009، تمنحه مصداقية في التعامل مع الملفات الحساسة، لكنه يبقى مقيداً بخطوط حمر رسمها المرشد والمؤسسة العسكرية.
على الطرف الآخر، يمثل نائب الرئيس الأمريكي جي دي فانس أنموذج الجيل الجديد من اليمين القومي، من جندي في المارينز إلى مؤلف وناشط سياسي، يشتهر فانس بالدفاع الصارم عن عقيدة “أمريكا أولاً”، مع القدرة على توظيف القوة الصلبة لتحقيق التوازن الإقليمي، ومواقفه تعكس عقلية إدارة الأزمات الأمريكية القائمة على الضغط الاقتصادي والدبلوماسي، مع استعداد لاستخدام الأدوات العسكرية إذا لزم الأمر، لكنه لا يؤمن بالحروب الطويلة.
فانس يتميز بالقدرة على تقديم الولايات المتحدة كطرف حازم وموحد، يلتزم بتحقيق مصالحه الاستراتيجية، دون الدخول في التنازلات الكبيرة إلا مقابل مكاسب ملموسة. هذا الأسلوب قد يصطدم أحياناً مع المرونة التكتيكية التي يمارسها قاليباف، ما يجعل التفاوض بين الرجلين اختباراً دقيقاً للفهم المتبادل بين أنظمة تختلف في طريقة صنع القرار.
مفاوضات قاليباف وفانس يمكن قراءتها على أنها صراع تكتيكي بين تجربة المؤسسة الإيرانية العميقة، وقدرة قاليباف على المناورة داخل قيود النظام، من جهة، وصرامة المبادئ الأمريكية وواقعية فانس في استخدام القوة من جهة أخرى.
وما يمكن قوله إن نجاح هذه المفاوضات يعتمد على عدة عوامل، سواء على القدرة على قراءة الإشارات، حيث إن قاليباف يعتمد على خبرته الطويلة في فهم تحركات واشنطن ودوافعها، بينما فانس يراقب ثوابت النظام الإيراني والتزامات قادته تجاه المرشد والحرس الثوري، أو لجهة المرونة مقابل الثبات، وذلك مع إجادة قاليباف التلون السياسي والتكيف، مقابل اعتماد فانس على قوة الموقف والحدود الواضحة، وإضافة إلى هذا وذاك يمكن أن تتحول نقاط النفوذ الاقتصادية والعسكرية إلى أدوات ضغط متبادلة، لكن كل طرف يحافظ على خطوطه الحمر، ما يجعل الحوار دقيقاً وحساساً.
وعليه.. فإن المفاوضات بين إيران والولايات المتحدة بقيادة قاليباف وفانس ليست مجرد جلسة دبلوماسية عابرة، بل هي محاكاة للصراع طويل الأمد بين أساليب الحكم الإيرانية المرنة والمحكمة، ومقاربة القوة الأمريكية الصارمة والواقعية، قاليباف، باعتباره “تكنوقراط الحرس”، سيعمل على الحفاظ على مصالح إيران مع إبراز مهاراته التفاوضية، بينما فانس يمثل جبهة أمريكية لا تتسامح إلا مع النتائج الملموسة، وأي تحرك في هذه الجولة سيكون اختباراً دقيقاً لمقدار قدرة كل طرف على التكيف دون التخلي عن الثوابت الاستراتيجية.
الوطن _ أسرة التحرير








