لم يكن الاتفاق بين سوريا ولبنان بنقل 300 سجين سوري من السجون اللبنانية إلى دمشق، إجراء إدارياً عادياً، بل جاء ليفتح باباً واسعاً للنقاش حول العلاقة المتداخلة بين لبنان وسوريا، ويرسم حدود فصل بين ما هو قانوني وإنساني من جهة، وما هو سياسي من جهة أخرى، ويأتي في سياق قانوني وإنساني وسياسي بالغ الحساسية، نظراً لتشابك الاعتبارات السيادية، وحقوق الإنسان، والالتزامات الدولية، والواقع الإقليمي المعقّد.
في قراءة لحيثيات الاتفاق القانونية والسياسية والإنسانية، يقول المعتصم الكيلاني الخبير القانوني المقيم في باريس والمختص في مجال حقوق الإنسان والقانون الجنائي الدولي، في تصريح لـ”الوطن” اليوم السبت: “من حيث المبدأ، يندرج هذا الاتفاق ضمن التعاون القضائي الدولي بين دولتين سياديتين، وهو أمر مشروع في القانون الدولي شريطة التزامه بالقواعد الآمرة لحقوق الإنسان وعدم تعريض الأفراد لخطر الانتهاك الجسيم”.
ويوضح الكيلاني أنه من زاوية القانون الدولي العام، يستند أي اتفاق ثنائي لتسليم السجناء إلى قاعدة احترام سيادة الدول وحقها في تنظيم التعاون القضائي فيما بينها، وفقاً لما تقرره اتفاقية فيينا لقانون المعاهدات 1969، غير أن هذا الحق ليس مطلقاً، بل مقيّد بالالتزامات الدولية الواجبة الاحترام، وعلى رأسها حظر التعذيب والمعاملة اللاإنسانية، وإلى مبدأ عدم الإعادة القسرية، حيث يُعد هذا المبدأ حجر الزاوية في القانون الدولي لحقوق الإنسان، ويمنع تسليم أي شخص إلى دولة قد يتعرض فيها، للتعذيب أو للمعاملة القاسية أو اللاإنسانية، أو لمحاكمة تفتقر لضمانات العدالة، وقد كرّسته اتفاقية مناهضة التعذيب 1984 – المادة 3وهو مبدأ ملزم حتى في حال وجود اتفاقات ثنائية، كما أن أي اتفاق يجب أن يستند إلى ضمانات المحاكمة العادلة، وأي عملية تسليم يجب أن تراعي ما نصّ عليه العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية – المواد 9 و14، وخصوصاً ما يتعلق بحق الدفاع وعلنية المحاكمة، واستقلال القضاء وعدم الاحتجاز التعسفي.

وعن الأهمية الإنسانية، يشير الكيلاني إلى أن الاتفاق يحمل إيجابيات عديدة منها، تمكين السجناء من قضاء محكومياتهم قرب عائلاتهم، وتخفيف الاكتظاظ داخل السجون اللبنانية، ورفع سوء المعاملة لهم، وتسهيل المتابعة القانونية والاجتماعية للموقوفين، إضافة إلى تحسين ظروف الاحتجاز إذا تم التنفيذ وفق معايير إنسانية، وهذا يتوافق مع المعايير التي تعتمدها اللجنة الدولية للصليب الأحمر بشأن معاملة المحتجزين”.
وفي الدلالات السياسية، يقول الكيلاني:” يحمل الاتفاق دلالات سياسية واضحة، أبرزها إعادة تطبيع مؤسسي بين دمشق وبيروت عبر البوابة القضائية، وتوظيف الملف الإنساني في سياق سياسي أوسع، إضافة إلى محاولة تخفيف الضغط الداخلي في لبنان بشأن ملف السجون، وإرسال إشارات إقليمية حول استعادة قنوات التنسيق الرسمي، إلا أن تسييس الملف الحقوقي قد يؤدي إلى تقويض الثقة الدولية إذا لم يُنفّذ وفق معايير شفافة وقابلة للرقابة”.
ومن خلال قراءته القانونية والإنسانية الشاملة يوضح الكيلاني، أنه من منظور قانوني وإنساني متوازن، يمكن القول إن الاتفاق مشروع من حيث المبدأ، لكنه مقيّد بشروط صارمة لا يجوز تجاوزها، وأي تسليم لا يسبقه تقييم فردي لحالة كل سجين يُعد مخالفة جسيمة للقانون الدولي، مشدداً على أن الضمانات الخطية وحدها غير كافية من دون آليات رقابة فعلية، وأن احترام كرامة السجين وسلامته الجسدية والنفسية التزام لا يسقط بالاتفاقات.
وختم الكيلاني: “إن اتفاق تسليم السجناء بين دمشق وبيروت يشكّل اختباراً حقيقياً لمدى احترام الدول لالتزاماتها القانونية والإنسانية، فالقيمة القانونية لأي اتفاق لا تقاس بتوقيعه، بل بمدى انسجامه مع كرامة الإنسان وسيادة القانون”.







