في سباق درامي رمضاني مشحون بالترقب، يفرض مسلسل “الخروج إلى البئر” نفسه كأحد أبرز الأعمال السورية هذا العام، مقدّماً مقاربة جريئة لملف شائك ظل لعقود عصياً على الدراما، ألا وهي معاناة المعتقلين داخل سجون الرعب الأسدي، وفي مقدمتها صيدنايا.
يرسم العمل لوحة مركبة تمتد من الزنازين الضيقة إلى البيوت السورية، حاملاً أسئلة مصيرية عن العدالة والغياب والسلطة، في سياق يدمج التوثيق الدرامي بالتشويق البوليسي.
كما يشد العمل المشاهد بفضل أحداثه المتسارعة ومتعة المشاهدة والتشويق، وقد يخال البعض أنه يتناول عذابات السجناء في سجن صيدنايا بشكل مباشر، لكنه يختلف كلياً عن هذه الصورة النمطية، بل يقدم حكاية تستحق الاهتمام، تُروى بإتقان، لأنه يتناول قصة عائلتين من خارج السجن، إلى جانب مشاهد التفاوض بين المعتقلين والسلطة.

خارج القضبان
اليوم وبعد عرض عشر حلقات من العمل، بات واضحاً أنه لا يكتفي بتصوير التعذيب داخل الأسر، بل ينقل الكاميرا إلى خارج الجدران، حيث تعيش شخصياته حالة من الخوف الوجودي المتعدد الأوجه.. الخوف من الاعتقال، من التجنيد الإجباري، من الفقر، من الموت المفاجئ، ومن غد يتحول إلى تهديد لا وعد.
في المواجهة الأكثر تأثيراً، تختزل الممثلة “ريم علي- كاتيا” سنوات من الغياب والغضب في مشهد صادم مع “اللواء ناصيف – عبد الحكيم قطيفان”، حيث تصارحه برغبتها في قتله وتحمّله مسؤولية موت شقيقتها، في مشهد يحمل من التكثيف الدرامي ما يجعل المشاهد أمام لحظة مواجهة متأخرة لكنها ضرورية.
تكشف الحلقات الأخيرة عن تعقيدات خطيرة، حين يُكشف خط هاتف سري بحوزة “أبو فراس – جمال سليمان” الذي يقبل اتفاقاً مع النظام للذهاب إلى العراق، في رحلة طويلة وشاقة لم تخل من التشكيك فيه وتخوينه للوصول إلى أحد أصحابه السابقين في تلك المناطق.
في المقابل، تهرب “خلود – جفرا يونس” مع “فراس – مصطفى سعد الدين” قبل عودة والدها “أبو الحارث – مازن الناطور” من السجن، بعد أن دبّر له زوجها “رشيد – وسيم الرحبي” تهمة ليزج به في الزنزانة، في حبكة مثيرة تكشف زيف الاتهامات.
على الجانب الآخر لا تتوقف مخططات “فهد – خالد شباط ابن “أبو فراس” لتقسيم بيت العائلة لكيلا يقع الحرام والشبهات في المنزل، ولاسيما بوجود أخيه الأكبر “فراس”، وذلك بعد أن أفسد حفل عيد الميلاد لابنه في منزل عائلة زوجته مفسراً ذلك بالمحرّم.
بالتوازي مع تصاعد الخطوط العائلية والعاطفية خارج السجن، تكشف الحلقات ما حدث من تحركات أمنية خطرة على الحدود العراقية، وقرارات مصيرية تهدد استقرار شخصيات العمل، وسط أجواء مشحونة بالقلق والترقب.
أحداث متسارعة
أحداث مشوقة مليئة بالكشف عن الأسرار، ومواجهة الجواسيس، وضغوط السلطة على الشخصيات تكشفها الحلقات الثلاث الأخيرة إلى الآن، ما جعل المشاهدين يعيشون لحظات من التشويق والإثارة، وسط مفاجآت غير متوقعة.
خلالها نشهد تحولات كبرى في مسار الصراع ويدرك الجميع أن “أبو فراس” كان أحد أفراد المقاومة ضد القوات الأمريكية عام 2003، ليكشف عن عدة علامات تميز الجاسوس الذي أحدث عدة نزاعات فيما بين عناصر المقاومة، لنشهد بعدها مواجهة حقيقية للجاسوس و”أبو فراس” وزملائه، تاركاً المشاهد في حالة تشويق لمعرفة ردود أفعال الشخصيات وما إذا كانت المعلومات ستؤدي إلى انقلاب أمني كبير.
بين الإتقان والإشكاليات
تناسبت وبشكل سلس شارة المسلسل التي وضعها الموسيقار رعد خلف وإيقاعها العسكري الصاخب مع روح العمل الذي غلب عليه العسكرة والسجون، على حين أن تصوير العمل في لبنان أفقد بعض مشاهده روح المكان الحقيقي.
لكن أكثر التساؤلات إلحاحاً كان حول هروب ابنة “أبو الحارث” في سيارة نقل رغم أنها لم ترتكب ذنباً، ما دفع البعض للتساؤل عن دوافعها المنطقية، في ثغرة درامية يبدو أن كاتب العمل سامر رضوان تركها مفتوحة لحلقات قادمة.
إن ما يميز تجربة “الخروج إلى البئر” حتى الآن، هو التوقيت المناسب له الذي سمح لصانعيه بسرد وجع طالما كان محرّماً، من دون الوقوع في فخ الشعارات أو المباشرة.
العمل الذي يقدم نفسه كتجربة درامية وثائقية مشوّقة، يظل حتى الآن الأكثر قدرة على المزج بين قسوة السجن وأوجاع العائلة السورية البسيطة، في حكاية تستحق المشاهدة، وتعيد طرح سؤال العدالة في زمن الغياب.








