ليست السويداء قضيةً محليةً معزولةً، ولا الساحل ملفاً أمنياً مستقلاً، ولا الشمال الشرقي مسألةً تفاوضيةً منفصلةً. ما يجري هو اختبارٌ شاملٌ لمفهوم الدولة السورية ذاتها: هل تبقى كياناً سيادياً واحداً، أم تتحول إلى فسيفساء تشكيلاتٍ مسلحةٍ تُدار من خارجها؟
المقارنة مع تجربة «جيش لحد» ليست انفعالاً سياسياً، بل قراءةٌ مؤسساتيةٌ باردة. كل كيانٍ محليٍّ مسلحٍ يبرر وجوده بذريعة الحماية ويتقاطع موضوعياً مع حسابات قوة احتلال، ينتهي إلى العزلة والانهيار. الأدوات الوظيفية تُستخدم ثم تُرمى، ولا يُكتب لها عمرٌ سياديٌّ طويل.
رفع أعلام إسرائيل في أي جزءٍ من الجغرافيا السورية ليس موقفاً احتجاجياً، بل إعلان تموضعٍ سياديٍّ واضح. الرمزية في الصراعات الكبرى ليست تفصيلاً. من يستهين بها، يفتح باباً لقراءةٍ دوليةٍ تعتبر المشهد انتقالاً من احتجاجٍ داخليٍ إلى اصطفافٍ إقليميٍ خطير.

ما يُسمّى «درع الساحل» أو أي تشكيلٍ مشابهٍ في السويداء ليس صدفةً عفويةً. النمط واحد: تشكيل ذراعٍ مسلحةٍ باسم طائفةٍ معينة، ثم دفعها تدريجياً إلى مواجهةٍ مع بقية المجتمع، ليتحول الخلاف السياسي إلى صراعٍ طائفيٍّ شامل. هذه ليست فوضى؛ إنها هندسةُ صراع.
هنا يظهر جوهر الخطر. حين يُصوَّر العلويون أو الدروز أو الأكراد ككتلةٍ سياسيةٍ واحدةٍ خلف هذه التشكيلات، يتم تعميم الاتهام عمداً لتفجير البنية الوطنية. الطوائف ليست جيوشاً، والمكونات ليست مشاريع عسكرية. اختزالها في ميليشياتٍ هو تمهيدٌ لعزلها عن محيطها.
في حروب الجيل الرابع، لا تُستخدم الجيوش التقليدية أولاً، بل تُستخدم الهويات. يتم تضخيم المخاوف، وإعادة تعريف الانتماء من «مواطنةٍ» إلى «هويةٍ مهددةٍ»، ثم يُزرع كيانٌ مسلحٌ داخل تلك الهوية بوصفه الحامي. بعد ذلك يتحول المكوّن نفسه إلى خط تماسٍ دائم.
الهدف ليس حماية الطائفة، بل تفكيك الدولة عبرها. حين تنخرط الطائفة في ذراعٍ مسلحٍ خارج الإطار الوطني، تصبح رهينةً له، ويُعاد تعريفها في الوعي العام ككيانٍ سياسيٍ منفصلٍ لا كمكوّنٍ وطني. وهنا يبدأ المسار الذي يصعب الرجوع عنه.
المسؤولية الأولى تقع على الوطنيين داخل كل مكوّن. العلويون الوطنيون هم خط الدفاع الأول ضد أي محاولةٍ لاختطاف الساحل تحت شعار الحماية. الدروز الوطنيون هم الضمانة ضد تحويل الجبل إلى منصةٍ وظيفية. والأكراد الوطنيون هم صمام الأمان ضد عسكرة الحقوق.
الخلاف مع بعض سياسات الدولة أو بعض مسؤوليها لا يبرر الخروج عن الدولة ذاتها. الدولة شأنٌ عام يتمثل بالوطن، لا بالأشخاص. الانخراط فيها لإصلاحها هو المسار العقلاني. أما مقاطعتها أو موازاتها بتشكيلاتٍ مسلحةٍ، فهو انتقالٌ من النقد إلى تفكيك الإطار الجامع.
الاستراتيجية الدولية واضحة: لا شرعية لكياناتٍ مسلحةٍ خارج الدولة، ولا استعداد لإعادة إنتاج مناطق نفوذٍ دائمةٍ في سوريا. كل القوى الكبرى تتحدث بلغة الاستقرار عبر كيانٍ واحدٍ ذي سيادة. من يخرج عن هذا الإطار لن يُكافأ، بل سيُستخدم ثم يُترك.
التجربة مع نظام الأسد تقدم درساً قاسياً. حين جرى تسييس الطائفة وربط مصيرها ببقاء سلطةٍ معينةٍ، دفعت الطائفة الثمن بعد سقوطها سياسياً وأخلاقياً. لا يجوز تكرار الخطأ ذاته عبر ربط أي مكوّنٍ بتشكيلٍ مسلحٍ خارج الدولة تحت وهم الحماية.
سوريا اليوم أمام لحظة حسم. إما دولةٌ واحدةٌ تحتكر السلاح وتمارس السيادة باسم الجميع، أو كياناتٌ وظيفيةٌ متنازعةٌ تنتهي إلى عزلةٍ داخليةٍ ورفضٍ دولي. لا توجد منطقةٌ رماديةٌ دائمة. من يقف خارج الدولة سيُصنَّف خارج معادلة الاستقرار.
وأقولها بوضوحٍ لا يحتمل التأويل: أي فصيلٍ يرفع رايةً غير راية الدولة، أو ينسّق مع قوة احتلال، أو يدّعي تمثيل طائفةٍ كاملةٍ بقوة السلاح، يضع نفسه في مواجهةٍ مباشرةٍ مع مفهوم الوطن ومع معادلات الشرعية الداخلية والدولية. لن تكون هناك مظلاتٌ دائمةٌ، ولن يُمنح غطاءٌ سياسيٌّ طويل الأمد. الدولة السورية الجديدة ليست خياراً تفاوضياً، بل حقيقةٌ سياديةٌ تتشكل، ومن يصرّ على اختبار حدودها سيجد أن الثمن هذه المرة لن يكون قابلاً للمساومة.







