أهمية كبيرة يمثله قرار الاتحاد الأوروبي برفع العقوبات عن سبعة كيانات حكومية سورية، من بينها وزارتا الداخلية والدفاع، لجهة تشكيله تحولاً سياسياً واقتصادياً لافتاً في مسار التعاطي الدولي مع سوريا الجديدة، وعكسه بوضوح بداية مراجعة أوروبية تدريجية لنهج العزلة والعقوبات الذي طبع السنوات الماضية، كما أن هذا التطور يأتي في سياق إدراك متزايد لأهمية دعم مقومات الاستقرار وإعادة التعافي المؤسسي والاقتصادي بعد أكثر من عقد من الحرب وما خلفته من أعباء عميقة على الدولة والمجتمع.
من المؤكد أن أهمية القرار تتجاوز إطاره الإجرائي المرتبط بتخفيف القيود والعقوبات، إذ يؤسس لمرحلة جديدة تسهم في إعادة تفعيل مؤسسات الدولة وتعزيز قدرتها على أداء وظائفها الحيوية، سواء في المجال الأمني أم الخدمي أو الإداري، بما ينعكس بصورة مباشرة على حياة المواطنين واحتياجاتهم الأساسية، إضافة إلى أنه يحمل دلالات سياسية مهمة تعكس توجهاً أوروبياً أكثر براغماتية في التعامل مع الواقع السوري، يقوم على تغليب اعتبارات الاستقرار ومنع الانهيار على سياسات القطيعة والضغط المستمر.
لقد أظهرت التجربة خلال السنوات الماضية أن استمرار العقوبات الواسعة على المؤسسات الحكومية السورية انعكس بصورة مباشرة على الواقع الخدمي والمعيشي، وأضعف قدرة الأجهزة الرسمية على توفير الخدمات الأساسية، وإعادة تأهيل البنية التحتية، وإطلاق مشاريع التنمية والتعافي، وفي ظل التحديات الاقتصادية الحادة التي تواجهها سوريا، فإن تخفيف القيود المفروضة على بعض المؤسسات الرسمية يفتح الباب أمام تحسين آليات العمل الحكومي، وتسهيل عمليات التمويل والتعاون الفني، وإعادة تنشيط القطاعات الحيوية التي ترتبط بحياة المواطنين اليومية.
تبرز أهمية رفع العقوبات عن وزارتي الداخلية والدفاع بشكل خاص في سياق تعزيز الاستقرار الأمني والمؤسساتي، إذ إن بناء دولة مستقرة يتطلب وجود مؤسسات قادرة على فرض القانون، وحماية الأمن العام، وضبط الحدود، ومكافحة الجريمة والإرهاب، بما يهيئ البيئة المناسبة لعودة النشاط الاقتصادي والاستثماري، فالأمن يشكل شرطاً أساسياً لأي عملية إعادة إعمار أو تنمية، ولا يمكن تحقيق تعافٍ اقتصادي حقيقي في ظل هشاشة مؤسسات الدولة أو محدودية قدراتها التشغيلية.
كما أن القرار الأوروبي سوف يسهم في تعزيز الثقة الدولية التدريجية بالمؤسسات السورية، ويفتح المجال أمام توسيع قنوات التعاون الإنساني والتنموي، وخصوصاً في الملفات المتعلقة بإعادة تأهيل البنى التحتية والخدمات العامة، مثل الكهرباء والمياه والصحة والتعليم والنقل، ومن شأن ذلك أن يخفف من الأعباء الاجتماعية والاقتصادية التي تحملها المواطن السوري خلال السنوات الماضية، وأن يدعم جهود الحد من الهجرة والنزوح عبر تحسين الظروف المعيشية داخل البلاد.
سياسياً.. يحمل القرار دلالات تتجاوز الجانب الاقتصادي، إذ يعكس إدراكاً متزايداً لدى بعض الأطراف الدولية بأن سياسة العزل والعقوبات لم تنجح في تحقيق الاستقرار، وأن المرحلة المقبلة تتطلب مقاربة أكثر واقعية تقوم على دعم مؤسسات الدولة والحفاظ على تماسكها، كما أن الانخراط التدريجي مع المؤسسات الرسمية يسهم في تشكيل مدخل لدفع العملية السياسية، وتعزيز فرص الحوار الداخلي، وترسيخ مفهوم الدولة القائمة على القانون والمؤسسات بدلاً من الفوضى والانقسامات.
على صعيد إعادة الإعمار، فإن تخفيف القيود عن المؤسسات الحكومية يسهم في تسهيل استقطاب الاستثمارات والمساعدات الدولية، ويمنح الجهات الرسمية قدرة أكبر على إدارة مشاريع التعافي وإعادة التأهيل وفق خطط وطنية أكثر شمولاً واستدامة، فإعادة بناء سوريا لا تقتصر على إعادة إعمار الحجر، بل تشمل أيضاً إعادة بناء الإدارة العامة، وتعزيز كفاءة المؤسسات، واستعادة الثقة بين الدولة والمجتمع، وهي أهداف تحتاج إلى بيئة دولية أكثر انفتاحاً وتعاوناً.
وعلى ضفة موازية ذات أهمية كبرى، فإن دعم المؤسسات الرسمية يعزز من قدرة الدولة على مكافحة التحديات العابرة للحدود، مثل تهريب المخدرات والجريمة المنظمة والهجرة غير الشرعية، وهي ملفات تشكل مصدر قلق إقليمي ودولي مشترك، وبالتالي، فإن تقوية مؤسسات الأمن والإدارة لا يخدم الداخل السوري فقط، بل ينعكس إيجاباً على استقرار المنطقة كلها.
لا يمكن النظر إلى قرار الاتحاد الأوروبي بسياق عادي، إذ إنه يشكل خطوة مهمة في اتجاه دعم مسار التعافي السوري، وإعادة الاعتبار لدور المؤسسات الرسمية في إدارة شؤون الدولة وخدمة المواطنين، ويمكن أن يشكل مع ما تقوم به الحكومة من إصلاحات بداية مرحلة جديدة تسهم في بناء سوريا أكثر استقرارا وتماسكاً قائمة على القانون والمؤسسات، وقادرة على استعادة دورها الطبيعي على المستويين الإقليمي والدولي.
الوطن – أسرة التحرير






