في تطورٍ لافت، تناقلت وكالات الأنباء أن أولى شحنات النفط العراقي بدأت بالعبور عبر معبر الوليد الحدودي باتجاه سورية، في خطوة جاءت على خلفية إغلاق مضيق هرمز، أحد أهم شرايين الطاقة العالمية. هذا الحدث لا يمكن قراءته بوصفه إجراءً طارئًا فحسب، بل بوصفه لحظة حاسمة تعيد طرح الأسئلة الكبرى حول مسارات التجارة وأمن الإمدادات في المنطقة.
وقبل أيام، طرحنا في مقالٍ سابق بعنوان: “حين تُغلق المضائق… تفتح البراري: لماذا نحتاج إلى ممر عربي استراتيجي؟” فكرة الانتقال من الاعتماد على مسارٍ واحد إلى بناء بدائل برية قادرة على امتصاص الصدمات. واليوم، يبدو أن الواقع يسبق التنظير، ويمنح تلك الفكرة أول اختبار عملي لها على الأرض.
إن ما يجري اليوم يعكس تحولًا مهمًا في طريقة التفكير؛ فالممرات البديلة لم تعد مجرد سيناريوهات افتراضية، بل أصبحت خيارًا واقعيًا تفرضه التحديات. وعندما تتعطل الممرات البحرية، تتجه الأنظار تلقائيًا إلى البر، لا كحل مؤقت، بل كامتداد استراتيجي يمكن البناء عليه.

في هذا السياق، تبرز سورية بوصفها محورًا جغرافيًا لا غنى عنه في أي مشروع يربط الخليج العربي بالبحرالأبيض المتوسط. فموقعها يمنحها فرصة نادرة لتكون نقطة وصل بين مصادر الطاقة والأسواق العالمية، وهو ما يجعلها مرشحة—إذا ما تهيأت الظروف—للعب دور يتجاوز مجرد العبور.
غير أن أهمية الحدث لا تكمن في الشحنات ذاتها، بل في كونه يمثل بداية اختبار لفكرة الممر العربي البري التي تمت الإشارة إليها سابقًا. فالمشاريع الكبرى لا تبدأ دفعة واحدة، بل تتشكل تدريجيًا، من خلال تجارب ميدانية تثبت جدواها، وتفتح الباب أمام تطويرها.
ومن هنا، فإن الفرصة لا تقتصر على تأمين بديل مؤقت، بل تمتد إلى إمكانية بناء منظومة لوجستية متكاملة، تشمل مراكز تخزين، وشبكات نقل، وخدمات إعادة توزيع. وعند هذه النقطة، تتحول الجغرافيا من ميزة كامنة إلى قوة اقتصادية فاعلة.
لكن هذا التحول يظل مشروطاً بعوامل أساسية، في مقدمتها الاستقرار، وتطوير البنية التحتية، وتعزيز التنسيق الإقليمي. فبدون هذه المقومات، قد يبقى ما يحدث مجرد استجابة ظرفية، وليس مشروعًا استراتيجيًا مستدامًا.
ما بين مقال الأمس وحدث اليوم، تتجسد الفكرة وهي تخطو أولى خطواتها نحو الواقع. فحين كتبنا أن “الأمم لا تنتظر الطريق… بل تصنعه”، لم يكن ذلك مجرد طرحٍ نظري، بل رؤيةٌ لما يمكن أن يكون. واليوم، مع أولى الشحنات العابرة، يبدو أن الطريق بدأ يُرسم بالفعل، لا بالكلمات، بل بالحركة على الأرض.
والله أسأل أن يحفظ بلادنا العربية من كل مكروه، وأن يعمّها الأمن والاستقرار، وأن يوفّق شعوبها لبناء مستقبل أفضل.








