في بلدٍ اعتاد فيه الكتاب أن يكون رفيق المقهى والبيت والجامعة، تراجعت القراءة إلى الهامش بسبب ثقل الحياة، فلسنوات طويلة، انشغل السوري بالبحث عن الأمان وتأمين لقمة العيش، والوقوف في طوابير لا تنتهي للحصول على أبسط حقوقه، حتى أصبح الكتاب ترفاً مؤجلاً، لا ذنب له سوى أنه لا يُشبع الجوع.
اليوم، ومع عودة معرض دمشق الدولي للكتاب، يبرز سؤال جوهري: هل يمكن لهذا الحدث الثقافي أن يكون الشرارة التي تعيد السوريين إلى القراءة، وتعيد للكتاب إلى مكانه الطبيعي في حياة أنهكتها الأزمات؟
تراجع ملحوظ

تشكّل القراءة شغفاً حقيقياً لدى الكثير من الشعوب، وهي نافذة تطل منها العقول على معارف العالم وثقافاته المختلفة، إلا أن هذه العادة شهدت تراجعاً ملحوظاً في السنوات الأخيرة، نتيجة للظروف الاجتماعية والاقتصادية والأمنية الصعبة التي مر بها المواطن السوري بسبب السياسات الإجرامية التي انتهجها النظام البائد بحق الشعب، فأصبح المواطن يعاني أزمات متلاحقة على مختلف الصعد، ونتيجة لتدهور الأوضاع الأمنية والمعيشية، أُجبر على التكيف مع واقعٍ صعب، بحيث أصبح التفكير منصباً على تأمين لقمة العيش، بعيداً عن التفكير في الرفاهية الثقافية أو الترفيهية، فجاء ابتعاد السوريين عن القراءة انعكاساً لهذه الظروف الصعبة التي عاشوها.
البصل أولاً
من المشاهد التي تكررت في الحياة اليومية للمواطن السوري هو مشهد الاصطفاف الطويل للحصول على أبسط مستلزمات الحياة، مثل البصل أو جرة الغاز، وفي كثير من الأحيان، كان المواطن يضطر إلى اتخاذ اختيارات صعبة بين شراء المواد الأساسية التي لا غنى عنها، على حساب احتياجاته الثقافية، كما كانت الأسواق السوريّة تعاني نقصاً كبيراً في كثير من السلع، ما جعل المواطن يفضّل شراء البصل على البطاقة الذكية بدلاً من شراء كتاب، لتأمين لقمة عيشه اليومية.
كان توافر المواد الغذائية عبر البطاقة الذكية جزءاً من الحياة اليومية، وأصبح الانتظار للحصول على كمية صغيرة من السكر أو الزيت أو البصل إحدى الأزمات التي تسيطر على تفكير السوري الذي كان يقف ساعات أمام مراكز التوزيع ليحصل على حصته، وإذا كان محظوظاً، فإنه سيحصل على جرة غاز بعد ثلاثة أشهر من الانتظار، وفي هذه الظروف، كان التفكير في شراء كتاب أو التوجه إلى مكتبة للقراءة يُعتبر رفاهية بعيدة المنال.
كما أدى تدني الأجور في سوريا إلى واقعٍ مريرٍ زاد من معاناة المواطن، ومع ارتفاع تكاليف الحياة، لم يكن لدى كثير من السوريين القدرة المالية على شراء الكتب، رغم أن أسعارها كانت منخفضة نسبياً مقارنة ببعض الدول الأخرى، وكانت أسعار الكتب تتفاوت حسب نوعها، لكن بالنسبة للشخص الذي يكافح لتأمين أبسط متطلبات الحياة، كان شراء كتاب من الرفاهيات التي لا يمكن التفكير فيها، فلم يكن باستطاعة الموظف السوري الذي يتقاضى راتباً زهيداً أن يخصص جزءاً من دخله لشراء كتب، خاصة في ظل الظروف الاقتصادية القاسية، فكانت الفجوة بين تكاليف الحياة واحتياجات الفرد من الثقافة تتسع أكثر فأكثر.
بارقة أمل
يعود معرض دمشق الدولي للكتاب للانعقاد ابتداءً من يوم الخميس المقبل، ليشكّل بارقة أمل في واقع ثقافي أرهقته سنوات طويلة من الأزمات، وهو اليوم مساحة لاستعادة علاقة السوري بالقراءة، ومحاولة جادة لإعادة القراءة إلى حياة الناس بعد أن غيّبتها هموم المعيشة وضغوط الحياة اليومية، ومن هنا تأتي أهمية المعرض، كحدثٍ يحاول كسر هذه المعادلة.







