الوطن – أسرة التحرير:
تتكشف ملامح اتفاق وقف التصعيد بين الولايات المتحدة وإيران على وقع تناقض لافت في السرديات الرسمية، ما يطرح تساؤلات جدية حول طبيعته وحدوده الفعلية، فبينما سارعت طهران إلى إعلان اتفاق مؤقت لخفض التوتر وفتح مسارات دبلوماسية، بدت الرواية الأميركية مختلفة في جوهرها من حيث الشروط والنتائج، في حين ذهبت التصريحات الإسرائيلية إلى اتجاه ثالث يشي بأن ما جرى لا يرقى إلى مستوى اتفاق ملزم أو مستقر.
ورغم الإعلان عن التوصل إلى الاتفاق، أظهرت التصريحات الصادرة عن الجانبين تبايناً واضحاً في تفسير بنوده وطبيعته وآليات تنفيذه، ما يعكس استمرار الفجوة السياسية رغم الانتقال إلى المسار التفاوضي، ويؤشر إلى أن ما جرى قد لا يتجاوز إطار تهدئة هشة قابلة للاهتزاز.

وفي السياق ذاته، كشفت تسريبات إعلامية عن موافقة إيرانية على حزمة شروط واسعة، تشمل تعهداً دائماً بعدم امتلاك أسلحة نووية، وتسليم اليورانيوم المخصب للوكالة الدولية للطاقة الذرية، والسماح بمراقبة جميع المنشآت النووية، ووقف التخصيب نهائياً، إضافة إلى تقليص برنامج الصواريخ والتخلي عن دعم الحلفاء الإقليميين، ووقف الهجمات على منشآت الطاقة، وإعادة فتح مضيق هرمز فوراً ودون شروط.
في المقابل، تحدثت طهران عن بنود مغايرة، تتضمن وقف الهجمات عليها، ورفع العقوبات الأساسية والثانوية، والقبول باستمرار برنامج التخصيب، ودفع تعويضات عن الأضرار التي لحقت بالبنية التحتية الإيرانية، ووقف العمليات العسكرية على مختلف الجبهات، غير أن واشنطن لم تؤكد هذه البنود، واكتفت بوصفها إطاراً للنقاش خلال فترة التهدئة، ما يعمق حالة الغموض.
وفي الرواية الإيرانية الرسمية، جرى تصوير التفاهم على أنه خطوة متوازنة تقوم على وقف متبادل للإجراءات التصعيدية، مع الحفاظ على ما تصفه طهران “حقوقها السيادية”، وخصوصاً في الملفات الحساسة، غير أن النسخة التي نشرتها إيران باللغة الإنكليزية حملت صياغات أقل حدة، وبدت أقرب إلى خطاب موجه للمجتمع الدولي، مع تأكيد على التهدئة والانفتاح، أما النسخة الفارسية، فجاءت أكثر تشدداً، واحتوت إشارات ضمنية إلى استمرار بعض الأنشطة التي تعدها طهران خطوطاً حمراء، ما يعكس ازدواجية مقصودة في الخطاب بين الداخل والخارج.
في المقابل، قدم الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الاتفاق بوصفه “إنجازاً أميركياً” يفرض قيوداً واضحة على إيران، مع تأكيده أن واشنطن لن تتردد في العودة إلى التصعيد إذا لم يتم الالتزام بالشروط، هذه الرواية تعكس سعياً لتسويق الاتفاق داخلياً كنجاحٍ سياسي، لكنها في الوقت ذاته تبتعد عن التفاصيل التي ركزت عليها طهران، ما يعمق فجوة التفسير بين الطرفين.
وظهر التباين أيضاً في مسألة شمول الاتفاق للساحات الإقليمية، إذ أعلنت باكستان أن وقف إطلاق النار يشمل مختلف الجبهات بما فيها لبنان، بينما أكدت إسرائيل أن الاتفاق لا يمتد إلى الجبهة اللبنانية، مع تسجيل استمرار العمليات العسكرية في الجنوب اللبناني خلال الساعات الأولى بعد إعلان الهدنة.
هذا التباين في الروايات لا يمكن فصله عن طبيعة الصراع نفسه، حيث غالباً ما تُصاغ الاتفاقات بصيغ مرنة تسمح لكل طرف بتقديمها وفق مصالحه وسياقاته الداخلية، غير أن اتساع الفجوة بين النسخ المختلفة، وخصوصاً داخل الخطاب الإيراني نفسه، يثير شكوكاً حول مدى صلابة الاتفاق وإمكانية استمراره.
في المحصلة، يبدو أن الاتفاق لم يحسم الخلاف بقدر ما أعاد إنتاجه بصيغ إعلامية متعددة، ما يجعل المرحلة المقبلة مفتوحة على احتمالات متناقضة، بين تثبيت التهدئة أو الانزلاق مجدداً نحو التصعيد.








