المزيد

‫آخر الأخبار:‬

ترامب يلتقط التحوّل.. سوريا تعود إلى حسابات العالم

‫شارك على:‬
20

حين يتحدّث الرئيس الأميركي دونالد ترامب عن مسارات تمر عبر سوريا لنقل الطاقة والتجارة، فإنه لا يصف طريقاً جغرافياً بديلاً، وإنما يكشف جانباً من التحوّل في موقع دمشق داخل الحسابات الإقليمية والدولية، فخلال أيام، تزامنت الإشادة بدور سوريا مع إنجازات دبلوماسية ومؤسسية تعكس استعادة تدريجية للثقة الدولية بها.

وتكشف الإشادة الأميركية عن أهمية متجدّدة لموقع سوريا في معادلات الطاقة الإقليمية؛ فمع عبور نحو 5 آلاف شاحنة نفط يومياً من جنوب العراق عبر الأراضي السورية إلى ميناء بانياس، بدأت البلاد تستعيد عملياً دورها كممر بري يصل مصادر الطاقة في الخليج والعراق بالبحر المتوسط.

ومن هنا تكتسب الإشارة الأميركية دلالتها، إذ إن الحديث لم يعد عن موقع جغرافي محتمل، بل عن مسار بدأ العمل به ويمكن أن يتحوّل مع تطوير البنية التحتية إلى أحد البدائل الإقليمية لتقليل الاعتماد على مضيق هرمز.

وهذه الدلالة تتقاطع مع تطور آخر أكثر وضوحاً في الساحة الدبلوماسية، تمثّل في اعتماد الجمعية العامة للأمم المتحدة بالإجماع، في 31 آب الماضي، مشروع القرار السوري بإعلان 19 كانون الأول من كل عام يوماً دولياً لتكريم النساء الباحثات عن المفقودين.

وتكمن أهمية القرار في كونه أول مشروع قرار تتقدٍم به سوريا في عهدها الجديد، وفي أن قضية خرجت من تجربة عائلات سورية أنهكتها سنوات البحث والانتظار تحولت إلى مناسبة دولية تحظى بتوافق المجتمع الدولي.

الأهم هنا أن دمشق لم تكن طرفاً في نقاش أممي حول قضية تخصّها فحسب، بل أصبحت صاحبة مبادرة وصياغة وتفاوض، وهو انتقال نوعي في وظيفة الدبلوماسية السورية، فنجاح القرار بالإجماع يعني أن سوريا تمكّنت خلال فترة قصيرة من بناء توافق حول قضية إنسانية حسّاسة وتحويل معاناة محلية إلى قضية ذات بعد عالمي.

وفي منظمة حظر الأسلحة الكيميائية، ظهر التحوّل بصورة مختلفة، لكنها لا تقل أهمية، ففي تموز الماضي، قرّر المجلس التنفيذي للمنظمة إعادة حقوق وامتيازات سوريا، المعلّقة منذ عام 2021، بتوافق الآراء وبرعاية مشتركة من 67 دولة، وجاء القرار في سياق خطوات سوريا للتعاون مع المنظمة ومعالجة الملفات العالقة والتحقّق من المنشآت والمواد ذات الصلة.

وفي السياق، يأتي قرار منظمة الشرطة الجنائية الدولية “الإنتربول” بإلغاء التعميم المتعلق بـ24,511 جواز سفر سورياً ليضيف بعداً عملياً إلى هذا المسار، فوفق وزارة الداخلية، كان النظام البائد قد أبلغ عنها بوصفها مسروقة، رغم أن الجوازات صدرت بصورة أصولية وسُلّمت إلى أصحابها، ما أدى إلى توقيف بعض حامليها ومصادرة وثائقهم في دول مختلفة.

وبالتالي، فإن إلغاء التعميم يزيل أثراً من آثار توظيف المؤسسات الدولية في سياسات النظام البائد، ويعيد الاعتبار لوثائق سفر سورية ولحامليها، ضمن مسار أوسع لإعادة بناء العلاقة بين الدولة السورية والمنظومة الدولية.

وبين الإشادة الأميركية بالدور الإقليمي لسوريا، والإجماع الأممي على مبادرة سوريا، واستعادة حقوقها في منظمة حظر الأسلحة الكيميائية، وتصحيح بيانات جوازات سفرها، تتبلور مؤشرات عملية على استعادة الثقة الدولية، غير أن ترجمة هذا الانفتاح إلى مكاسب مستدامة تبقى الاختبار الأهم للدبلوماسية السورية، ولقدرتها على تحويل الثقة المتنامية إلى شراكات تعيد سوريا إلى موقعها الطبيعي إقليمياً ودولياً.

أسرة التحرير