في علم الاقتصاد الكلاسيكي، المعادلة تبدو بسيطة: استقرار سعر الصرف مع تكاليف إمداد واضحة، يجب أن يفرز أسعاراً مستقرة، لكن السوق السورية اليوم، في ظل اشتعال الجبهات الإقليمية، تقدم درساً مختلفاً يطيح بالمنطق الرياضي البحت؛ فنحن أمام ظاهرة معقدة يمكن تسميتها بـ تسعير الخوف.
القفزات السعرية الحادة التي ضربت الأسواق مؤخراً، رغم الثبات النسبي لليرة، لا يمكن تفكيكها بالاكتفاء برمي كرة النار في ملعب الجشع كشماعة جاهزة، ولا بالركون التام لمبرر انقطاع سلاسل الإمداد العالمية، فالنظرة الحيادية تكشف أن بنية السوق دخلت في حالة تحوط قسري، فالتاجر، ولا سيما ضمن الحلقات التجارية الكبرى، لم يعد يسعّر بضاعته بناءً على تكلفتها الحالية، بل بناءً على تكلفة الاستبدال المستقبلية في بيئة مفرطة الضبابية.
عندما تتشوه هيكلية الأسواق لتتجه نحو ما يشبه الاحتكار حيث يتحكم عدد محدود من الموردين بشرايين السلع الاستراتيجية، ويصبح هذا التحوط سلاحاً يكتوي به المستهلك، فالمورد لا يرفع السعر بالضرورة لأنه يتكبد خسارة اليوم، بل لأنه يفرض على المواطن دفع علاوة مخاطرة مسبقة تحسباً للمجهول القادم عبر عواجل الأخبار.

علاوة على ذلك، هذا الاحتماء خلف الأسعار المرتفعة يخلق فخاً اقتصادياً يضر بالبنية الإنتاجية والتجارية بأكملها، فحين يُستنزف الدخل المحدود للمستهلك السوري في تأمين السلع الغذائية الأساسية التي تضاعفت أثمانها، يتراجع الطلب الحتمي على القطاعات الأخرى كالصناعات المحلية والخدمات، ما يُدخل الأسواق في دوامة قاسية من الركود التضخمي.
التاجر والمورد الذي يعتقد أنه يحمي رأس ماله برفع هوامش الربح اليوم، قد يجد نفسه غداً أمام مستودعات مكدسة وقوة شرائية مشلولة تماماً،إنها معادلة صفرية خاسرة للجميع، تؤكد أن حماية المستهلك ليست مجرد عبء اجتماعي، بل هي صمام الأمان الوحيد لاستمرار الدورة الاقتصادية ذاتها.
المفارقة هنا أن الركون إلى الحلول الإدارية البحتة، كزيادة الدوريات التموينية وإصدار الضبوط، ورغم أهميتها القانونية الرادعة، يشبه محاولة قياس درجة حرارة الجو باستخدام مسطرة، إذ لا يمكن ضبط السلوك المذعور للسوق بأدوات إدارية فقط؛ فالتدخل الخشن في سوق خائفة ومحتكرة يؤدي غالباً إلى رد فعل عكسي يتجلى في إخفاء البضائع وخلق ندرة مفتعلة.
المقاربة الأنجع لا تكمن في ملاحقة الأسواق بالضبوط فحسب، بل في تفكيك بنية الاحتكار من جذورها، وتوسيع قاعدة المستوردين لكسر هيمنة القلة، بالتوازي مع ضخ شفافية حكومية حول حجم المخزون الاستراتيجي الفعلي.
وحدها الثقة قادرة على إعادة الآليات الحسابية لعملها الطبيعي، وإنهاء حقبة تسعير السلع على وقع عواجل الأخبار.






