في مشهد يعكس أزمة متجددة في صناعة الدراما، تكررت هذا الموسم طروحات باتت مألوفة لدى المشاهدين، حيث تعيد أعمال درامية متعددة تقديم أفكار وقصص درامية وحياتية عرضت بصور مشابهة في وقت سابق، ومنها فكرة الوصية المتأخرة وربما المشروطة أيضاً بأشكال مختلفة، ما يثير تساؤلات حول قدرة الكتّاب على تجديد خطاباتهم الدرامية بعيداً عن استنساخ الأفكار ذاتها وإعادة تدويرها.
ففي الوقت الذي تثبت فيه بعض الأعمال قدرتها على جذب الجمهور حتى حين تتناول مواضيع كلاسيكية، تبقى عملية الاقتباس من الدراما نفسها وإعادة صياغتها بمنطق جديد رهاناً صعباً قد يقود العمل إلى النجاح أو الفشل.
تعود جذور هذه الفكرة إلى مسلسل “المليونير الصغير” الذي عُرض في مطلع تسعينيات القرن الماضي على التلفزيون السوري، من إخراج مأمون البني وتأليف عامر بدر حسون، حيث جسّد فادي وفائي دور الطفل “عماد” الذي يفاجأ بوصية أحد الأثرياء تمنحه ثروة كبيرة بشرط أن يصرف مليون ليرة سورية خلال شهر واحد من دون أن يستفيد من هذا المال أي شخص سواه.

فكرة متجددة أم إعادة تدوير؟
في الموسم الدرامي المنصرم، عاد وفائي مخرجاً بمسلسل “يا أنا يا هي” الذي كتبه مع إيناس سعيد، وتؤدي بطولته كل من أمل عرفة والأردنية أمل دباس.
هنا تطورت الفكرة لتصبح الوصية مسجلة على بطاقة ذاكرة إلكترونية، وتُكلف الأختان بالبحث عن بقية الورثة الذين أوصى بهما الأب، في لعبة متسلسلة تلهث خلفها التفاصيل والألغاز.
بالتزامن، عُرض المسلسل اللبناني- السوري “بخمس أرواح” من كتابة يزن الداهوك وحمزة اللحام وإخراج رامي حنا، حيث يواجه الوريث الوحيد شرطاً تعجيزياً يتمثل بالعثور على إخوته الأربعة الذين طمس والدهم أثرهم.
وبالحديث عن الوصية المفاجئة تعود إلى الذاكرة قصة مسلسل “الإخوة” التي تشهد صراعاً مختلفاً حول تركة الأب “فريد نوح”، حين تظهر ابنته غير الشرعية “ميرا”، مستندة إلى فيديو مصور قبل وفاته يوصي فيه بمنحها النصيب الأكبر من الثروة، وهو ما لا يروق لأبنائه الذين تبناهم وخصهم بأملاكه.
وقد كتب العمل لواء يازجي ومحمد أبو لبن وأخرجه في جزأين كل من سيف سبيعي وسيف شيخ نجيب.
وفي صورة مشابهة إلى حد كبير جاءت فكرة مسلسل “مولانا” لحكاية الفيلم الإيراني “السحلية” بحيث يهرب “رضا السحلية” من السجن متنكراً بعمامة رجل دين، فيصل إلى قرية نائية ويعامل كإمام جديد وتلتف الناس حوله وتأتمر بأمره، لنرى في “مولانا”، هروب “جابر” بعد قتله لزوج شقيقته، ليجد نفسه في قرية “العادلية” منتحلاً شخصية “سليم العادل” الذي ينتمي لعائلة أولياء، وليبدأ رحلة تحول مشابهة.
الجدل تصاعد بعد انتصاف عرض العمل، حيث نشر العديد من المتابعين مقارنات مباشرة بين العملين من جملتها مشهد القطار ولقطات الجامع، بينما اتهم البعض العمل بالسرقة الفنية أو التكرار من دون إشارة.
كما لم ينج الجزء الثالث من المسلسل الكوميدي “ما اختلفنا” من نقد كهذا، بعد أن أخذت بعض اللوحات بحذافيرها وجميع تفاصيلها من لوحات كوميدية سابقاً عُرضت في مسلسلات مرايا وبقعة ضوء وغيرها.
أزمة كتاب وإغراءات الإنتاج
ما ذكر سابقاً يؤكد أن التشابه والتكرار في الأفكار يعكس أزمة حقيقية تعاني منها ورش الكتابة، حيث تحمّل العبء الأكبر على المخرجين، وهو ما يظهر جلياً في الأعمال التي تتفوق تقنياً وإخراجياً لكنها تبقى فارغة المضمون.
ويطرح المشهد الدرامي الحالي تساؤلاً حول ما إذا كانت الحياة العربية الاجتماعية والاقتصادية قد فرغت من أفكار جديدة تصلح لأن تكون مادة درامية خلاقة، أم أن صناعة الإنتاج تتجه بوعي نحو عصر التفاهة، متورطة معها نخبة من نجوم الفن والإخراج والسيناريو.
ويبقى السؤال الأهم: هل تستطيع الدراما استعادة دورها في الترفيه الهادف وإعادة تشكيل الوعي، أم أنها ستظل أسيرة استنساخ الأفكار والتشابه في الطروحات؟








