الوطن – أسرة التحرير:
في الحروب الحديثة، لم يعد النصر يقاس فقط بعدد الصواريخ أو حجم الدمار، بل بما يترسخ بعد توقف النار.. من يفرض شروطه؟ ومن يعيد رسم موازين القوة؟ وبين التصريحات المتناقضة الصادرة من طهران وواشنطن، يبدو أن الحقيقة أكثر تعقيداً من مجرد إعلان نصر كامل من هذا الطرف، أو اعتراف بهزيمة ساحقة من ذاك.
إيران قدمت من خلال المجلس الأعلى للأمن القومي رواية حاسمة” العدو مني بهزيمة تاريخية لا تنكر”، وذلك في خطاب يستند إلى فكرة الصمود والبقاء، وهي سردية اعتادت إيران توظيفها لتعزيز شرعيتها داخلياً وإقليمياً، وفي السياق ذاته، يذهب الأكاديمي الأمريكي روبرت بيب إلى أبعد من ذلك، واصفاً بنود وقف الحرب بأنها تمثل “هزيمة استراتيجية كبرى” للولايات المتحدة، بل يقارنها بنكسة فيتنام، وهو توصيف ثقيل الدلالة في الوعي السياسي الأمريكي.

ولم يكن صوت بيب منفرداً؛ إذ اعتبر السيناتور كريس ميرفي أن ما حدث يمنح إيران نفوذاً غير مسبوق، يصل إلى حد السيطرة على مضيق هرمز، أحد أهم شرايين الطاقة العالمية، وهو ما – إن صح – يرقى إلى مكسب استراتيجي عميق يتجاوز حدود المواجهة العسكرية المباشرة.
لكن في الجهة المقابلة، يؤكد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب أن ما تحقق هو نصر كامل وشامل، مستنداً إلى وقف إطلاق نار تم بشروط قابلة للتطبيق قدمتها إيران نفسها، ويعزز هذا الطرح تصريح وزير الدفاع بيت هيغسيث، الذي يؤكد أن الولايات المتحدة حققت انتصارا عسكرياً حاسماً، بل يذهب إلى حد التأكيد إن إيران طلبت وقف القتال.
هنا تتكشف المفارقة.. كيف يمكن لطرفين متواجهين أن يعلنا النصر في اللحظة نفسها؟، الإجابة تكمن في طبيعة هدنة النقاط العشر، فالاتفاقات المؤقتة، وخاصة تلك التي تأتي بعد تصعيد حاد، غالباً ما تكون مساحة رمادية يقرؤها كل طرف بما يخدم روايته، إيران قد ترى في صمودها أمام قوة عظمى وعدم خضوعها الكامل انتصاراً بحد ذاته، بينما تعد الولايات المتحدة أن إجبار خصمها على التفاوض وقبول وقف إطلاق النار دليل تفوق.
بمعنى آخر، نحن أمام نوعين من النصر، نصر تكتيكي قد تدعيه واشنطن إذا كانت قد حققت أهدافاً عسكرية مباشرة، ونصر استراتيجي تميل طهران إلى تبنيه إذا كانت قد حافظت على موقعها وفرضت نفسها طرفاً لا يمكن تجاهله.
غير أن المؤشر الأهم لا يكمن في التصريحات، بل فيما سيحدث لاحقاً.. هل ستترسخ إيران كقوة إقليمية ذات نفوذ أوسع؟ أم ستنجح الولايات المتحدة في إعادة ضبط التوازن واحتواء هذا الصعود؟
في النهاية، قد لا يكون السؤال من انتصر؟ هو الأدق، بل.. من خرج بأقل الخسائر، ومن كسب موقعاً أفضل في الجولة القادمة؟
من المؤكد ان الهدن لا تنهي الصراعات، بل تعيد ترتيبها، وما بين “محو الحضارة الفارسية” و”هدنة النقاط العشر”، يبدو أن الحرب لم تحسم بعد… بل تغير شكلها فقط.







