تشهد العلاقات بين الولايات المتحدة وأوروبا واحدة من أكثر لحظاتها توتراً منذ سنوات، على خلفية الحرب مع إيران، في مشهد يعكس تبايناً عميقاً في الرؤى الاستراتيجية بين ضفتي الأطلسي، فبينما يدفع الرئيس الأميركي دونالد ترامب نحو تحالف عسكري أكثر انخراطاً في المواجهة، اختارت عدة عواصم أوروبية نهج الحذر، رافضة “الانجرار” إلى تصعيد مفتوح في منطقة شديدة الحساسية.
التوتر بلغ ذروته مع السجال العلني بين ترامب والمستشار الألماني فريدريش ميرتس، الذي كشف حجم الهوة السياسية بين الجانبين، فتصريحات ميرتس التي انتقد فيها أداء واشنطن في إدارة الحرب، قوبلت برد حاد من ترامب، قبل أن تتطور الأمور إلى خطوة عملية تمثلت في إعلان سحب آلاف الجنود الأميركيين من ألمانيا، هذه الخطوة لم تُقرأ فقط كإجراء عسكري، بل كرسالة سياسية تعكس استياء واشنطن من حلفائها التقليديين.
في جوهر الخلاف، يبرز اختلاف جوهري في تعريف التهديد وأدوات التعامل معه، فالولايات المتحدة ترى في إيران خطراً استراتيجياً يتطلب ردعاً عسكرياً صارماً واتفاقاً شاملاً يحد من برنامجها النووي والصاروخي، وفي المقابل، تميل أوروبا إلى مقاربة أكثر دبلوماسية، توازن بين الضغط والحوار، وتتحفظ على الانخراط العسكري من دون غطاء قانوني دولي أو تفويض واضح من حلف شمال الأطلسي.

فرفض دول أوروبية رئيسية، مثل فرنسا وإسبانيا وبولندا، المشاركة في تأمين مضيق “هرمز”، يعكس هذا التوجه، فالمضيق، رغم أهميته الحيوية للاقتصاد العالمي، يمثل أيضاً نقطة اشتعال قد تجر أوروبا إلى مواجهة لا ترغب بها، وهذا الموقف يعزز الانطباع بأن أوروبا تسعى إلى الحفاظ على استقلالية نسبية في قراراتها الأمنية، بعيداً عن الضغوط الأميركية.
في الوقت ذاته، لا يمكن تجاهل أن المواقف الأوروبية ليست موحدة بالكامل، فتصريحات رئيسة المفوضية الأوروبية، أورسولا فون دير لاين التي شددت على ضرورة التوصل إلى اتفاق شامل مع إيران، تتقاطع جزئياً مع الرؤية الأميركية، ما يشير إلى وجود أرضية مشتركة، وإن كانت محدودة.
والسؤال المطروح اليوم ليس فقط حول مصير الحرب، بل حول مستقبل الشراكة عبر الأطلسي، فهل نحن أمام خلاف عابر فرضته ظروف استثنائية، أم بداية لتحول أعمق في بنية العلاقات الدولية؟ المؤشرات الحالية توحي بأن أوروبا باتت أكثر ميلاً إلى إعادة تعريف دورها العالمي، في حين تتبنى الولايات المتحدة نهجاً أكثر حدة وأحادية.
مع ذلك، تبقى المصالح المشتركة، من الأمن إلى الاقتصاد، عاملاً كابحاً لانزلاق العلاقة نحو قطيعة حقيقية، فالتاريخ الطويل من التعاون داخل حلف شمال الاطسي “ناتو”، والتشابك الاقتصادي العميق، يجعلان من الصعب تصور فك ارتباط كامل.
في النتيجة، تبدو العلاقات الأميركية الأوروبية أمام مفترق طرق، فإما إعادة صياغة التفاهمات بما يعكس توازناً جديداً في المصالح والرؤى، أو استمرار التباعد التدريجي الذي قد يعيد رسم ملامح التحالف الغربي في عالم يتجه نحو مزيد من التعددية والتنافس.
الوطن – أسرة التحرير








