ما تزال الأسواق في محافظة إدلب تواجه تحديات يومية متزايدة نتيجة استمرار التعامل بثلاث عملات رئيسة هي الليرة السورية والليرة التركية والدولار الأميركي في واقع نقدي معقد ألقى بظلاله على النشاط التجاري والمعيشي وأصبح يشكل عبئاً مباشراً على المواطنين ولا سيما أصحاب الدخل المحدود.
ورغم عودة الليرة السورية إلى التداول بشكل أوسع خلال الفترة الأخيرة عبر رواتب العاملين في الجهات العامة والتحويلات المالية الإلكترونية إلا أن ذلك لم ينعكس على شكل استقرار نقدي حقيقي بل أوجد مزيداً من الإرباك في عمليات البيع والشراء والتصريف بين العملات المختلفة
ويؤكد العديد من المواطنين أن تعدد العملات لم يعد مجرد مشكلة تقنية مرتبطة بعمليات الدفع وإنما تحول إلى استنزاف مستمر للدخل الشهري بسبب فروقات التصريف التي تقتطع جزءاً من الرواتب والأجور عند كل عملية تحويل أو تبديل للعملة.
محمد الفتوح وهو معلم صف أوضح أن ما يعرف محلياً بالقص بات يشكل عبئاً إضافياً على العاملين في الجهات العامة مبيناً أن الراتب الذي يعاني أساساً من محدودية قيمته يتعرض للاستنزاف مع كل عملية تصريف أو تحويل الأمر الذي ينعكس مباشرة على قدرة الأسر على تأمين احتياجاتها الأساسية.
وتبرز معاناة الموظفين بشكل خاص عند قبض الرواتب عبر تطبيق شام كاش حيث يضطر كثير منهم إلى تحويل مستحقاتهم إلى الليرة التركية نتيجة ضعف توافر الليرة السورية الجديدة نقداً ما يؤدي إلى خسارة جزء من الراتب عبر فروقات التصريف ويقلل من القوة الشرائية للأسر في ظل الظروف المعيشية الصعبة.
وفي قراءة اقتصادية أوضح الدكتور مصعب الشبيب الأكاديمي في جامعة إدلب لـ “الوطن” أن تعدد العملات في أي اقتصاد يعد حالة استثنائية تفرضها ظروف عدم الاستقرار النقدي وفقدان العملة المحلية جزءاً من وظائفها التقليدية كوسيط للتبادل ومخزن للقيمة ووحدة للقياس.
وأضاف إن ما تشهده إدلب اليوم هو اقتصاد متعدد العملات بشكل غير منظم حيث تختلف العملة المستخدمة بين قطاع وآخر وبين سلعة وأخرى ما يرفع تكاليف المعاملات ويخلق حالة من عدم اليقين لدى المستهلكين والتجار على حد سواء.
وبين الشبيب أن أكبر الخاسرين من هذا الواقع هم أصحاب الدخل المحدود والموظفون الذين يتقاضون رواتبهم بعملة وينفقونها بعملة أخرى مشيراً إلى أن فروقات التصريف المتكررة تؤدي إلى تآكل جزء من الدخول بشكل يومي وتخفض القدرة الشرائية للأسر حتى في حال ثبات مستوى الأسعار، وأن استمرار الاعتماد الواسع على الليرة التركية إلى جانب عودة التداول بالليرة السورية ووجود الدولار كمرجع للتسعير يجعل الأسواق أكثر عرضة للتقلبات النقدية ويحد من قدرة المتعاملين على التخطيط المالي السليم سواء للأفراد أو لأصحاب الأعمال مؤكداً أن الوصول إلى استقرار نقدي يتطلب زيادة توافر الليرة السورية الجديدة بشكل كاف وتنظيم سوق الصرافة والتحويلات المالية وتوحيد آليات التسعير والحد من تعدد أسعار الصرف بما يخفف من حالة التشوه القائمة داخل الأسواق.
ولا تتوقف الإشكالية عند الرواتب إذ يواجه المواطنون صعوبات إضافية عند شراء احتياجاتهم اليومية حيث تشترط بعض الأفران والجهات الخدمية الدفع بالليرة السورية حصراً في وقت يعاني فيه كثيرون من صعوبة الحصول عليها ما يخلق حالة من التناقض داخل الأسواق ويزيد من الأعباء الملقاة على السكان.
ويرى الشبيب أن استمرار تدفق الليرة التركية إلى الأسواق المحلية إلى جانب محدودية ضخ السيولة السورية الجديدة وغياب آليات واضحة لتنظيم التعامل بين العملات المختلفة كلها عوامل ساهمت في استمرار حالة عدم الاستقرار النقدي كما أن عدم التزام جزء من التجار الكبار بالتعامل بالليرة السورية في عمليات البيع بالجملة يزيد من تعقيد المشهد الاقتصادي في المحافظة
وأن معالجة هذه المشكلة تتطلب خطوات عملية تبدأ بزيادة ضخ الليرة السورية الجديدة وتنظيم سوق الصرافة والتحويلات المالية والحد من تعدد أسعار التصريف إضافة إلى تعزيز الرقابة على الأسواق لمنع استغلال المواطنين عبر فروقات التصريف غير المبررة.
ويأمل الأهالي أن تشهد المرحلة المقبلة إجراءات أكثر فاعلية تسهم في تعزيز الاستقرار النقدي وتخفيف الأعباء عن أصحاب الدخل المحدود باعتبار أن استقرار العملة أصبح أحد أهم متطلبات تحسين الواقع المعيشي وتنشيط الحركة الاقتصادية وإعادة الثقة إلى الأسواق المحلية.






