لم تعد الحرب الدائرة بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، مجرد مواجهة تقليدية تُقاس بعدد الطائرات المقاتلة أو الصواريخ العابرة للقارات، بل تحولت إلى مختبر مفتوح لتجريب أدوات قد تعيد تعريف مفهوم الحرب ذاته، فخلف الضربات الجوية وصواريخ “توماهوك”، تتشكل سردية جديدة عنوانها: الذكاء الاصطناعي، والمسيّرات الانتحارية منخفضة التكلفة والأسلحة الليزرية، والحرب السيبرانية الشاملة.
وأبرز ما يلفت الانتباه هو دخول الذكاء الاصطناعي إلى غرفة القرار العسكري بشكل غير مسبوق، حيث بات الحديث عن استخدام أداة “كلود” التابعة لشركة آنثروبيك يعكس انتقال الجيوش من مرحلة “دعم القرار” إلى مرحلة “ضغط القرار”، حيث تختصر الخوارزميات ساعات وأياماً من التحليل في دقائق معدودة، وهذا التحول لا يعني فقط تسريع العمليات، بل يطرح سؤالاً أخلاقياً وسياسياً حول حدود تفويض الآلة في قضايا تمس حياة البشر وسيادة الدول.
في المقابل، تعكس المسيّرات الانتحارية منخفضة التكلفة تحولاً في فلسفة التسلح الأمريكية، فبدلاً من الاعتماد الحصري على أنظمة باهظة الثمن، يجري تبني مفهوم “الكتلة الميسورة”، أي امتلاك أعداد كبيرة من أدوات رخيصة نسبياً وقابلة للاستهلاك السريع، هذه المقاربة التي استلهمت بعض ملامحها من تجربة المسيّرات الإيرانية في ساحات أخرى، تعني أن الحروب المقبلة قد تُحسم بقدرة طرف ما على إغراق خصمه بسيل من الأهداف الصغيرة لا بقطعة سلاح فائقة التعقيد فقط.

أما على الضفة الإسرائيلية، فإن الإعلان عن نجاح سلاح الليزر “أور إيتان” في اعتراض مسيّرات وصواريخ إيران وميليشيات حزب الله، يعد مؤشراً إلى اقتراب مرحلة يصبح فيها “شعاع الضوء” بديلاً عن الصاروخ الاعتراضي، والفارق هنا ليس تقنياً فحسب، بل اقتصادياً واستراتيجياً؛ فتكلفة إطلاق شعاع ليزري لا تُقارن بتكلفة صاروخ دفاعي تقليدي، وإذا ثبتت فاعلية هذه المنظومات على نطاقٍ واسع، فإن معادلات الردع الجوي ستتغير جذرياً، وستفقد الصواريخ الهجومية جزءاً من فاعليتها أمام درعٍ ضوئي منخفض التكلفة.
غير أن أخطر ساحات المواجهة قد لا تكون في السماء، بل في الفضاء السيبراني، إذ إن الانقطاع شبه الكامل للإنترنت في إيران مع بدء العمليات العسكرية، وفق ما أعلنته منظمة “نت بلوكس”، يشي بأن البنية التحتية الرقمية أصبحت هدفاً موازياً للمطارات والقواعد العسكرية، كذلك، فإن تعطل مواقع رسمية مثل وكالة إيرنا، وتبادل الاتهامات بشأن اختراق شبكات الطاقة في إسرائيل، يؤكد أن الحرب باتت تخاض على مستوى الكهرباء والبيانات بقدر ما تخاض بالصواريخ.
هذا التداخل بين المادي والرقمي يخلق إشكالية قانونية غير محسومة في ظل غياب قواعد دولية واضحة، قد تجد القوى الإقليمية نفسها أمام سباق تسلحٍ رقمي لا يقل خطورة عن السباق النووي في القرن الماضي.








