قبل طاولة السياسة والاقتصاد في العاصمة الألمانية برلين، وبعدها لندن خلال جولة الرئيس السوري أحمد الشرع، بدا لافتاً إصرار الشرع في جميع جولاته الخارجية على لقاء السوريين أولاً، ممن وفدوا من مسافات بعيدة ودول مجاورة، للاحتفاء ترحيبًا وحوارا معه.
حماسة ومشاعر بدت في يوم برليني شديد البرودة، رسالة متبادلة بين قيادة وشارع جمع بينهما تحرير سوريا من النظام البائد، وترجمت – بحسب متابعتي – مشهدا لم تعرفه الحياة السياسية السورية منذ عقود، وتؤسس لعلاقة جديدة في إدارة سوريا نحو المستقبل، والخطوة برمزيتها أبعد من مجرد لفتة بروتوكولية، بل رسالة سياسية واضحة لإعادة بناء العلاقة بين القيادة والسوريين في الشتات، بوصفهم جزءا من معادلة المرحلة المقبلة.
لم يرشح كثير من تفاصيل اللقاء، حيث التقى الرئيس في مقر إقامته ببرلين مع وفد من أبناء الجالية السورية، لكن الانطباعات التي تلت اللقاء على ألسنة الصحفيين والنشطاء، والصور المنشورة عبر المعرفات الرسمية، وصولًا إلى استمرار تجمهر السوريين حتى ساعات الليل المتأخرة، جاءت تأكيداً في سياق القواسم المشتركة للهوية الوطنية السورية، والحرص على شراكة في دعم مسيرة بناء الدولة وتطورها.

الأمن والسياسة أبرز محاور اللقاء
في اليوم التالي للوصول إلى العاصمة برلين، ينتظر الرئيس الشرع جدول مزدحم باللقاءات والتحديات والآفاق المشتركة بين دمشق وبرلين، فيما يترقب الشارع السوري ترجمتها لوقائع مثمرة، بدءا من لقاء الشرع مع المستشار الألماني فريدريش ميرتس، ثم يليه لقاؤه بالرئيس الألماني فرانك فالتر شتاينماير، إضافة إلى زيارة وزارة الخارجية للمشاركة في طاولة حوار اقتصادية ألمانية-سورية.
الزيارة التي أُجِّلت خلال كانون الثاني الماضي حملت معها طي أبرز الملفات السورية العالقة، بما يقدم للطرفين مزيدًا من المساحات الإضافية، بعيدًا عن الانتهاء ما يعكر صفو الأجواء ويبعد نقاط الخلاف، في الملفات الداخلية السورية، خصوصًا ملف “قسد”، فيما تقترب أكثر الملفات السياسية الخارجية، وقد برعت دمشق في تجنب حالة الاستقطاب السياسي المسيطرة على المشهد الإقليمي بعد الاعتداء الأمريكي-الإسرائيلي على إيران، وما تخلفه من تكهنات بتصاعدها وانخراط أطراف جديدة.
لا يغيب ملف السياسة والأمن كأحد المحاور الرئيسية في ذهن الساسة الأوروبيين، وهو ما يعزز الحضور السوري لبناء علاقة ندية قادرة على الاستجابة والتوازن، وبناء أرضية صلبة بين متطلبات الاستقرار الداخلي في سوريا والمصالح الأوروبية في الحد من التهديدات الأمنية العابرة للحدود، إذ سبق للرئيس الفرنسي “ماكرون” أن شدد على هذه القضايا خلال زيارة الرئيس الشرع لباريس، وبحسب التحليلات الإعلامية فإن مخاوف الأوروبيين ذاتها في الجانب الأمني.
وتولي برلين أهمية خاصة لملف مكافحة الإرهاب وتعزيز قدرات المؤسسات الأمنية، ضمن مقاربة أوروبية تقوم على دعم الاستقرار ومنع عودة تنظيم “داعش”، وهو ما كان أصلا أحد عناوين مؤتمر ميونيخ الذي شاركت فيه سوريا قبل عدة أشهر.
مدير الأبحاث بمركز مدى للدراسات الصحفي أحمد مراد، معلقاً على الزيارة:
“توقيت الزيارة مهم جدًا، خاصة بعد إنهاء الملفات الداخلية العالقة، سواء فيما يتعلق بملف قسد أو الانفراجة فيما يخص السويداء، ويمكن القول إن الشرع تخلص من المشاكل الداخلية، وهنا نقصد التحركات العسكرية والقوى المناوئة للحكومة السورية، وبدأ يتجه نحو الخارج وظهره محمي داخليًا بعد السيطرة على معظم الجغرافيا السورية”.
وحول أوجه الخلاف والأهمية عن زيارة الرئيس الشرع لباريس يشير مراد:
“تختلف الزيارة بطبيعتها عن زيارة فرنسا التي كانت بمثابة كسر جليد وبوابة للتواصل مع أوروبا. الحديث هنا عن زيارة تحمل طابعا اقتصاديًا، على اعتبار أن ألمانيا بلد ذو طبيعة اقتصادية.
لا شك أن إعادة لاجئين من أصحاب السوابق ومن غير المندمجين ستكون على رأس الأولويات لدى الحكومة الألمانية، وهذا يحتاج لتنسيق عالي المستوى بين الحكومتين، وليس على المستوى الرئاسي، لذلك يمكن اعتبار قضايا تتعلق بالاتفاقيات الاقتصادية وإعادة الإعمار ودخول الشركات الألمانية إلى سوريا، فضلًا عن التغيرات الجيوسياسية في المنطقة، والتي فرضتها الحرب الأمريكية الإيرانية وإغلاق إيران مضيق هرمز، والحديث عن خط إمداد خليجي للطاقة يصل إلى أوروبا يمر عبر سوريا، جميعها ملفات مهمة وستوضع على الطاولة.
سياسياً، تحافظ سوريا على توازن المصالح بين الفاعلين الدوليين دون أن تكون محسوبة على طرف دون غيره، وهذه الزيارة لبرلين، وبعدها للندن، ستكون ضمن هذا التوجه واستكمالًا لما سبقه من زيارات لباريس وواشنطن وموسكو”.
الصحفي محمد حمادي يرى “أن زيارة رئيس سوريا الجديد إلى ألمانيا الاتحادية، وبعدها المملكة المتحدة، زيارة سياسية مهمة باعتبارها بداية تطبيع العلاقات مع أوروبا بعد التغييرات السياسية في سوريا وسقوط نظام الأسد، ولذلك يُنظر إليها كخطوة لفتح صفحة جديدة بين دمشق والدول الأوروبية بعد سنوات من القطيعة السياسية، وإعادة سوريا إلى العلاقات الدولية.
إضافة إلى ما تحمله من ملفات سيجري بحثها بين دمشق والعواصم الغربية، سواء لجهة ملف اللاجئين السوريين في ألمانيا وتسهيل العودة الطوعية، وملفات دعم الاقتصاد السوري وإعادة الإعمار، واستقرار الاقتصاد السوري، وإدماج سوريا في النظام المالي الدولي”.
ولفت حمادي إلى أن كل الملفات مطروحة للتباحث بين الأطراف، وعامل الحرص على استقرار سوريا مشترك، خوفاً من موجات هجرة جديدة.
الاقتصاد بوابة العبور لأوروبا
الموقف السوري عامل مشجع للمدخل الاقتصادي لألمانيا الاتحادية، كإحدى أبرز قاطرات النمو الاقتصادي في القارة الأوروبية، وما تملكه من خبرات سيكون حاضراً على جدول المنتدى الاقتصادي، وآفاق الانتعاش الاقتصادي وإعادة إعمار سوريا وملف اللاجئين.
وتشير الأوساط السياسية المتابعة لزيارة الرئيس الشرع إلى أن جملة الأهداف التي يوليها أهمية قصوى تتمثل بجذب الاستثمارات، وفتح قنوات التمويل لإعادة الإعمار، والبحث في ملف اللاجئين بما يحقق المصلحة الوطنية لسوريا والسوريين على حد سواء.
فدمشق تنظر إلى برلين على أنها معنية بشكل مباشر بقيادة استثمارات اقتصادية وتجارية فاعلة في سوريا خلال الفترة المقبلة، باعتبارها الاقتصاد الثالث الأقوى عالمياً، وتنفرد بقوى بشرية سورية عالية التأهيل خبرت الإدارة الألمانية.
وكانت تقارير لوكالة “رويترز” قد تحدثت عن نية دمشق بفتح أبواب الاستثمار في الطاقة أمام الشركات الألمانية، لتوريد توربينات لقطاع الطاقة المتضرر من الحرب.
اللاجئون… الأعلى حضوراً وحساسية
تشير التقارير الإعلامية إلى أن ملف اللاجئين السوريين في ألمانيا مطروح على طاولة اللقاءات الثنائية، لكن ليس بالصورة التي تهولها وسائل الإعلام اليمينية، لا سيما مع تراجع أرقام طلبات اللجوء المقدمة عموماً في دول الاتحاد الأوروبي.
ففي مطلع آذار 2026، أظهر التقرير السنوي لوكالة اللجوء التابعة للاتحاد الأوروبي “EUAA” أن نحو 151 ألف سوري تقدموا بطلب لجوء في عام 2024، مقارنة بـ42 ألفاً في عام 2025، ما يعكس تراجعاً ملحوظاً في أعداد الطلبات.
ومع تجدد الجدل في الإعلام والسياسة الألمانية بشأن عودة اللاجئين السوريين منذ نهاية عام 2024، تحول المزاج العام في ألمانيا إزاء سياسات اللجوء.
وتشير تقارير إعلامية ألمانية إلى انقسام داخل الطيف الحزبي وبين الرأي العام حول توقيت العودة وشروطها، في حين يدفع المحافظون إلى تشديد الإجراءات وتسريع الترحيل، مقابل دعوات أخرى لتقييد العودة بسبب أوضاع البنية التحتية والأمن.
وخلال عام 2025، اتخذت الحكومة الألمانية عدة خطوات تشريعية وإجرائية أكثر تشدداً في ملف الهجرة واللجوء، استهدفت بشكل خاص اللاجئين السوريين الذين يشكلون أكبر جالية لجوء في البلاد.
الجانب السوري لا موقف جذري لديه، فبقدر ما يرغب في تحقيق تقدم بالملف، حسب الأمور بميزانها الوطني، بين الترحيب بعودة جميع أبنائه واشتراطات عودتهم المرتبطة بإعادة الإعمار وكل البنية التحتية من مساكن ومشروعات تتيح للعائدين فرصة استكمال حياتهم بالطريقة المثلى.
وتلفت العديد من صفحات التواصل للجالية السورية في ألمانيا إلى أن فكرة العودة ليست مطروحة كما ترغبها أحزاب اليمين، فالقوى البشرية السورية باتت أحد أركان الحياة في وطن السوريين الجديد، لافتة إلى أن عشرات الآلاف تجنسوا، ومثلهم برعوا في الطب والاقتصاد، وهو ما يعزز عودة محدودة للمئات ممن سبق أن سجلوا انتهاكات قانونية، وآخرين رُفضت طلبات لجوئهم.
ففي حزيران 2025، أقرّ البرلمان الألماني تعليق لمّ شمل العائلات لمدة عامين للاجئين الحاصلين على حماية فرعية، كما شرعت وزارة الداخلية بإعداد اتفاقات ثنائية مع دمشق لترحيل طالبي اللجوء المرفوضين، بدءاً بالمجرمين أو فاقدي الإقامة القانونية.
وفي الإطار نفسه، تعمل ألمانيا على تصنيف بعض مناطق سوريا ضمن ما يسمى “دول المنشأ الآمنة”، وهو ما يسهل قانونياً تسريع إجراءات رفض طلبات اللجوء الجديدة وترحيل أصحابها.
برلين اليوم، إذ تصافح الرئيس الشرع، كانت أولى العواصم الأوروبية التي زارت دمشق بعد أقل من شهر على سقوط النظام، إذ قامت وزيرة الخارجية الألمانية حينها أنالينا بيربوك بزيارة إلى دمشق، ثم أتبعتها بزيارة ثانية في آذار 2025.
كما افتتحت ألمانيا الاتحادية سفارتها في دمشق في آذار 2025، وهو ما ساهم في تقارب العلاقات الألمانية – السورية وصولًا إلى اليوم.






