جاءت زيارتا رئيس إقليم كردستان العراق نيجيرفان بارزاني ومظلوم عبدي، إلى دمشق خلال يومين متتاليين لتضعا ملف اندماج المواطنين الكرد ضمن مؤسسات الدولة في صدارة المشهد السياسي، ويشير تقارب موعد الزيارتين، وما صدر خلالهما من مواقف، إلى انتقال هذا الملف من مرحلة التفاهمات إلى متابعة التنفيذ، في إطار رؤية تقوم على ترسيخ المواطنة الكاملة وتعزيز وحدة الدولة.
ويمكن قراءة زيارة بارزاني تأكيداً لانفتاح دمشق على تعزيز علاقاتها مع إقليم كردستان العراق، في وقت ركزت فيه المباحثات على التعاون الاقتصادي والأوضاع الإقليمية ودعم الاستقرار، بينما حمل لقاء الرئيس أحمد الشرع مع مظلوم عبدي، بعداً وطنياً يرتبط بمتابعة تنفيذ التفاهمات الخاصة باندماج مؤسسات “قسد” ضمن مؤسسات الدولة السورية، بما يعكس استمرار العمل على ترجمة الاتفاقات إلى خطوات عملية.
ويقرأ عدد من المحللين الكرد الزيارتين باعتبارهما مؤشرين على وجود إرادة سياسية لتجاوز مرحلة طويلة من انعدام الثقة، وفتح صفحة جديدة تقوم على الاعتراف بالمواطنة المتساوية ضمن إطار الدولة السورية الواحدة، ويرى هؤلاء أن الرسائل التي خرجت من دمشق خلال اليومين الماضيين تعكس تمسك القيادة السورية بخيار توحيد الصفوف، باعتباره المدخل الأساسي لإنهاء الملفات العالقة وإعادة بناء العلاقة بين الدولة وجميع مكوناتها.
في هذا الإطار، حظيت التغريدة التي نشرها الرئيس أحمد الشرع باللغة الكردية عقب لقائه رئيس إقليم كردستان العراق باهتمام واسع بين الأوساط الكردية، حتى إن بعض المحللين وصفها بـ “تغريدة الأمل”، وارتبط ذلك بما حملته من رسالة سياسية تعترف بالتنوع الثقافي واللغوي في سوريا، وتؤكد أن بناء الدولة الجديدة يقوم على إشراك جميع المواطنين دون تمييز.
ويستند هذا التقييم أيضاً إلى الخطوات التي أعلنتها الإدارة السورية الجديدة خلال الأشهر الماضية، وفي مقدمتها المرسوم رقم (13)، الذي عالج ملفات تتصل بحقوق المواطنين الكرد وهويتهم السورية، وفتح المجال أمام استكمال اندماجهم الكامل في مؤسسات الدولة السياسية والإدارية والاقتصادية والعسكرية، بما يكرس مبدأ المواطنة بوصفه أساس العلاقة بين الدولة ومواطنيها، بعيداً عن أي تصنيفات قومية أو مناطقية.
وتشير هذه المعطيات إلى أن القيادة السورية تسعى إلى معالجة سليمة للقضية الكردية ضمن الإطار الوطني السوري، من خلال تثبيت الحقوق الدستورية والقانونية، وتوسيع المشاركة في مؤسسات الدولة، بالتوازي مع الحفاظ على وحدة البلاد وسيادتها، ويعد هذا المسار، فرصة لإنهاء آثار سنوات عانى خلالها المواطنون الكرد من التهميش، وإعادة دمج مختلف المكونات في مشروع وطني جامع.
وتبقى أهمية الزيارتين في أنهما قدمتا إشارات سياسية متزامنة، الأولى على المستوى الإقليمي عبر تعزيز التواصل مع إقليم كردستان العراق، والثانية على المستوى الداخلي عبر استكمال مسار الاندماج مع “قسد”، وبين الرسالتين يظهر عنوان واحد يتمثل في أن المرحلة المقبلة، تقوم على توحيد الصفوف، وترسيخ المواطنة المتساوية، وبناء مؤسسات تستوعب جميع السوريين ضمن دولة واحدة وهوية وطنية جامعة، بما يجعل الحوار والتنفيذ العملي معياراً للحكم على نجاح هذا المسار خلال المرحلة المقبلة.
الوطن – أسرة التحرير






