في تطور يحمل دلالات اقتصادية وجيوسياسية ثقيلة، أعلن مصرف سوريا المركزي إعادة تطبيع علاقاته المصرفية مع بنك الاحتياطي الفيدرالي في نيويورك وإعادة فتح حسابه لديه، وهي الخطوة التي وصفها الدكتور عبد الرحمن محمد، أستاذ التمويل والمصارف في كلية الاقتصاد بجامعة حماة، بأنها لم تكن وليدة الصدفة، بل ثمرة جهود تقنية ودبلوماسية مضنية بالتنسيق مع وزارة الخزانة الأميركية، وبمشاركة أطراف دولية مؤثرة.
وأكد الدكتور محمد لـ«الوطن» أن إعادة فتح هذا الحساب تمثّل نقلة نوعية تتجاوز الإجراء الروتيني، لكونها تفتح الباب أمام اندماج سوريا مجدداً في النظام المالي العالمي، مما ينعكس استقراراً على الواقع النقدي؛ فاستعادة قناة اتصال مباشرة مع المنظومة المالية الدولية (الدولار) تسمح للمركزي بإدارة احتياطاته الخارجية في واحدة من أكثر المؤسسات أماناً في العالم، وتقلل مخاطر الاعتماد على وسطاء أو قنوات غير رسمية، فضلاً عن تيسير التحويلات الدولية المتعلقة باستيراد السلع الأساسية كالنفط والغذاء بكلفة أقل وشفافية أعلى.
كسر العزلة وترميم الثقة

واعتبر أستاذ الاقتصاد أن هذا التطور يسهم في كسر العزلة المالية تدريجياً، وينتقل بسوريا من حالة “الانكفاء” إلى حالة “الدولة المتعامل معها” وفق أطر قانونية دولية، كما يعزّز المصداقية المؤسسية للمركزي السوري لكونه سيخضع لمعايير الرقابة والتدقيق الأميركية، مما يبني جسور الثقة مع البنوك العالمية والمستثمرين الأجانب، وخاصة في مرحلة إعادة الإعمار، ومن المتوقّع أن تظهر الإيجابيات على المدى القريب من خلال ضبط تقلبات سعر الصرف وتوفير القطع الأجنبي بانتظام لتغطية احتياجات السوق الرسمية، مما يقلّص الاعتماد على “السوق السوداء” ويخفض تكاليف الشحن والتحويل، وصولاً إلى تحسن محتمل في التصنيف الائتماني للدولة مستقبلاً.
تحديات “الشفافية الإجبارية” ورهان النيات
ورغم هذه الإنفراجة، يرى الدكتور محمد أن الخطوة لا تخلو من تحديات؛ فهي تضع السياسة النقدية السورية تحت مجهر الرقابة الأميركية المباشرة، حيث إن أي حركة ماليّة غير واضحة قد تؤدي لتجميد الحساب مجدداً، كما نبّه إلى ضرورة التمييز بين فتح الحساب وبين الرفع الكامل للعقوبات، مؤكداً أن “قانون قيصر” لا يزال سارياً، مما قد يبقي بعض البنوك العالمية في حالة تردّد خوفاً من الامتثال، ناهيك عن “الرهان على النيات” كون الخطوة قد تقابل بإجراءات معاكسة حال حدوث أي توتر سياسي، وهو ما يفرض على الإدارة النقديّة السورية امتلاك كوادر عالية الكفاءة لضمان الامتثال التام للمعايير الدولية المعقّدة.
انفراجة مشروطة لا غاية نهائية
وختم الدكتور محمد رؤيته بالتأكيد على أن عودة الحساب لدى “الفيدرالي” هي بمثابة إصلاح لخلل جوهري في بنية العلاقات الخارجية للدولة، لكنها تظل “وسيلة” وليست “غاية” في حد ذاتها، ولن تؤتي ثمارها الكاملة ما لم تُستكمل بإصلاحات داخلية جذرية تشمل مناخ الأعمال ومكافحة الفساد، فالفائدة الحقيقية مرتبطة بقدرة الإدارة الاقتصادية على تحويل هذا الانفراج المالي إلى واقع تنموي ملموس، والحفاظ على هذا المنجز كقاعدة صلبة لتعافي طويل الأمد، مؤكداً أننا أمام “انفراجة مشروطة” تنقل العلاقة من الجمود التام إلى التواصل المسؤول، وهي خطوة على طريق طويل وليست نهاية المطاف.








