مع إعادة إطلاق الفضائية السورية تزامناً مع حلول شهر رمضان المبارك، عاد برنامج “التلفزيون والناس” الخالد في ذاكرة ووجدان السوريين لسنوات.
البرنامج الذي صنع هويته منذ العام 1988 من الشارع السوري، وأصبح جزءاً من ذاكرة جيل كامل، يعود ليؤكد أن العلاقة بين التلفزيون والناس لم تنقطع، رغم كل ما مرت به سوريا من محطات قاسية خلال السنوات الماضية.
أنزل البرنامج الكاميرا إلى الأسواق والمقاهي وأماكن العمل، موثقاً حياة الناس البسيطة بعفوية نادرة، وارتبط اسمه بصاحبه الإعلامي عبد المعين عبد المجيد، الذي طوّر الفكرة بأسلوبه القريب من الناس، حاملاً الميكروفون بيده ويرافقه مصور واحد.

تطرق البرنامج لشرح كيفية العمل في مهنةٍ ما، أو أحوال البيع والشراء، لتكون نشرة أخبار البلد “من فم أولاد البلد” وبطريقة لطيفة، وتناقش حلقات البرنامج الاقتصاد تارة، والعادات والتقاليد، والأمور الاجتماعية تارة أخرى، وكان البرنامج يعتبر ثورة في برامج التلفزيون، وذهب البعض إلى اعتبار عبد المعين عبد المجيد ملك “تلفزيون الواقع” قبل اختراع هذا المصطلح بكثير.
استمر البرنامج حتى عام 2012، حيث اصطدمت طبيعته الاجتماعية بالواقع الميداني في سوريا، وبات التصوير محدوداً، وتعذر الوصول إلى أحياء كثيرة، حتى توقف رسمياً.
وبسبب موقفه الرافض لسياسة النظام البائد، اضطر عبد المعين عبد المجيد للانتقال إلى تركيا، لكنه لم يتخلَّ عن فكرته، فاستأنف العمل عبر منصات رقمية عام 2017 تحت عنوان “وين ما كنتوا تكونوا”، مسلّطاً الضوء على معاناة السوريين في الشتات، من إسطنبول إلى السودان ومناطق الشمال السوري.
واجه البرنامج في المنفى صعوبات جديدة منها تراخيص التصوير، محدودية الأماكن، وفقدان العفوية التي ميّزته في الداخل، لكنه استمر، لأن عبد المجيد يؤمن بأن لا أحد يتناول أوجاع المواطن السوري في الخارج كما يفعل.
بعد سقوط النظام البائد، عاد عبد المعين عبد المجيد إلى سوريا، وعاد معه برنامجه الأم إلى القناة الرسمية التي سجلت انطلاقة جديدة مع بداية شهر رمضان المبارك الأسبوع الفائت، ليكون الرهان اليوم على الفكرة الجوهرية نفسها.. النزول إلى الشارع، الإصغاء للناس، وتحويل همومهم اليومية إلى مادة إعلامية مهنية قريبة من القلب.
يذكر أن مسيرة عبد المعين عبد المجيد الإعلامية بدأت عام 1977، وخلالها أصرّ على ربط برامجه بكلمة “الناس” مثل: “التلفزيون والناس”، “العيد والناس”، “رمضان والناس”.
ولم يكن عبد المجيد مجرد مقدم برامج، بل كان مخرجاً ومعداً ومصوراً أسهم في تطوير الإعلام السوري، وعمل محرراً في مجلة “هنا دمشق” وصحيفة “الثورة”، وأسهم في تأسيس العديد من المراكز الإذاعية والتلفزيونية في المحافظات السورية، من دير الزور إلى إدلب والقنيطرة.
اليوم ومع كاميرا تلاحقه وميكروفون بيده، يعود عبد المعين عبد المجيد ليوقف السوريين في شوارع دمشق كما كان يفعل قبل ثلاثين عاماً، ليعيد للأذهان تلك الأغنية التي لا تفارق الذاكرة: “طلعت الكاميرا زيارة… وراحت من حارة لحارة”.










