ثمة مفارقة تستحق التوقف عندها في الزراعة السورية اليوم.. وزارة الزراعة تبدو وكأنها تتحرك بسرعة باتجاه اقتصاد السوق بينما ما زال اتحاد الفلاحين يعمل إلى حد كبير بعقلية تنظيمية تنتمي إلى مرحلة كان فيها حضور الدولة في الاقتصاد هو القاعدة، الوزارة تتحدث عن الاستثمار والشراكة مع القطاع الخاص وتحويل بعض الأصول والمنشآت الزراعية إلى مشاريع استثمارية والتعاون مع المستثمرين لتأهيلها وتشغيلها ورفع كفاءتها الاقتصادية، أي أن الوزارة تعيد تعريف دورها من جهة تدير وتنفذ إلى جهة تنظم وتراقب وتفتح المجال أمام رأس المال والاستثمار.
لكن ماذا عن الجهة التي يفترض أن تكون صوت الفلاح في هذا الاقتصاد الجديد؟
اتحاد الفلاحين لا يزال يحمل كثيراً من ملامح المنظمة التقليدية التي نشأت في اقتصاد كانت الدولة فيه الممول والمشتري والمنظم وصاحبة القرار الاقتصادي الأول، المشكلة ليست في وجود الاتحاد بل في الدور الذي يجب أن يلعبه، فالفلاح في اقتصاد السوق لن يحتاج فقط إلى جهة تطالب له بالدعم أو ترفع مطالبه إلى الحكومة بل إلى منظمة تعرف كيف تفاوض باسمه وتساعده على التمويل والتأمين والتسويق والتصدير وتدافع عن حصته من القيمة المضافة، بل إن الاتحاد نفسه يقف اليوم أمام اختبار حقيقي في قدرته على مواكبة هذا التحول فالدفاع عن مصالح الفلاحين في اقتصاد أكثر انفتاحا لن يعود كافيا عبر المطالبة بالدعم أو نقل المطالب إلى الحكومة بل يحتاج إلى أدوات جديدة تجعل المنظمة أكثر قدرة على التفاوض والتسويق والتمويل والتأمين والوصول إلى الأسواق.
فالتحول المطلوب ليس التخلي عن دور الاتحاد وإنما إعادة تعريف هذا الدور بما يتناسب مع اقتصاد يتغير من حوله، فالاقتصاد الحر لا يعني أن يترك الفلاح وحيدا في مواجهة السوق بل يعني أن يمتلك أدوات أقوى للتفاوض والمنافسة والوصول إلى السوق.
وإذا كانت وزارة الزراعة قد بدأت تكتشف أن دورها يمكن أن يكون أكثر فاعلية عندما تفسح المجال للسوق فإن على المنظمة التي تمثل الفلاحين أن تكتشف هي الأخرى أن الدفاع عن مصالح أعضائها لم يعد يمر فقط عبر المطالبة والدعم والتدخل الحكومي، بل عبر بناء قوة اقتصادية حقيقية للفلاح، المطلوب ليس أن تنتصر إحداهما على الأخرى بل أن تتطور المنظمة بالسرعة نفسها التي يتغير بها الاقتصاد.
لأن الفلاح السوري يحتاج إلى وزارة تنظم السوق وإلى منظمة تعرف كيف تدافع عن مصالحه داخله.





