شهدت سوريا موجة جديدة من ارتفاع أسعار الوقود، بعد أن ارتفع سعر الديزل من 125 ليرة جديدة إلى 175 ليرة جديدة، بزيادة قدرها 40 بالمئة، ما دفع أجور النقل في دمشق وضواحيها إلى الارتفاع الفوري، في وقت وصل فيه الحد الأدنى للأجور في القطاع العام إلى 12,560 ليرة سورية ، وارتفع متوسط الأجور إلى نحو 12,000–15,000 ليرة جديدة، أي ما يعادل نحو 80–100 دولار أميركي، وفق الدكتور عبد الرحمن محمد، أستاذ التمويل والمصارف في كلية الاقتصاد بجامعة حماة.
يستحوذ على جزء كبير من الدخل
وفقاً للبيانات تتراوح أجرة الحافلات الصغيرة داخل مدينة دمشق بين 30 و65 ليرة سورية جديدة، مثل خط الميدان-برزة الذي تبلغ أجرته 55–65 ليرة جديدة، وخط مزة جبل-الكراجات الذي تتراوح أجرته بين 45 و50 ليرة جديدة، بينما تصل أجرة خطوط الضواحي إلى مستويات أعلى.
وبالنسبة لموظف يقيم في ضواحي دمشق ويعمل داخل المدينة، فإن استقلال الحافلات الصغيرة مرتين يومياً، ذهاباً وإياباً، يكلفه ما لا يقل عن 60–120 ليرة جديدة يومياً، أي بين 1,800 و3,600 ليرة جديدة شهرياً.
وبمقارنة ذلك بمتوسط الأجر الشهري البالغ 12,000 ليرة جديدة، فإن نسبة استحواذ أجور النقل على دخل الفرد الواحد تتراوح بين 15 بالمئة و30 بالمئة.
وإذا احتُسب أفراد الأسرة، مثل الطلاب، فإن نسبة الاستحواذ الإجمالية للأسرة قد تتجاوز 40 بالمئة –50 بالمئة.
وتشير تقارير أخرى إلى أن تكاليف النقل وحدها في دمشق تستهلك نحو ثلث الدخل الشهري للموظف، كما تصل تكاليف النقل اليومية لبعض الطلاب إلى 18,000–50,000 ليرة قديمة، أي ما يعادل 180–500 ليرة جديدة، وهو ما يشكل عبئاً كبيراً جداً.
النسبة المقبولة اقتصادياً والواقع الحالي
يرى محمد أنه من الناحية الاقتصادية، عندما تتجاوز نسبة استحواذ النقل 10 بالمئة من الدخل، فإنها تشكل ضغطاً واضحاً على نفقات الغذاء والتعليم والصحة الضرورية، فيما يُعتبر نطاق 5 بالمئة –10 بالمئة في الدول النامية نطاقاً معقولاً.
لكن الوضع الحالي في سوريا يتجاوز بكثير هذا النطاق المقبول، إذ تبلغ نسبة استحواذ النقل للفرد الواحد 15 بالمئة –30 بالمئة، بينما تصل نسبة استحواذ الأسرة إلى 40 بالمئة –50 بالمئة.
وهذا يعني وفق محمد أن تكاليف النقل لم تعد بنداً استهلاكياً اختيارياً، بل أصبحت عاملاً هيكلياً يضغط على استهلاك الغذاء.
وبالمقارنة مع الفترة التي سبقت زيادة الأجور، عندما كانت نسبة النقل نحو 5.5 بالمئة فقط من الحد الأدنى للأجور، فإن التعديلات الأخيرة في الأجور، رغم أنها أدت إلى تحسّن اسمي في مستويات الدخل، لم تمنع التآكل التضخمي وارتفاع تكاليف الوقود من استهلاك مكاسب زيادة الأجور بالكامل تقريباً، وأصبحت نسبة استحواذ النقل أعلى من المستوى المستدام اقتصادياً.
تحرير الطاقة من دون تعويض
ويرى محمد أن الارتفاع الحالي في أجور النقل في سوريا هو النتيجة الحتمية لسياسة تحرير أسعار الطاقة غير المدعومة، في ظل افتقار الإدارة الاقتصادية إلى آلية تعويض مصاحبة لتحمّل التكاليف.
وبما أن النقل يعد سلعة ضرورية للوصول إلى فرص العمل والتعليم والخدمات، فإن نسبة استحواذه التي تتجاوز 40 بالمئة تعني أن دخل الأسرة يُستهلك بشكل أساسي في الحفاظ على إمكانية الذهاب إلى العمل، وليس في تحسين مستوى المعيشة.
ومن الناحية الأكاديمية، فإن ترك تكاليف النقل للأسرة لتحمّلها بالكامل، سيسرّع من استنزاف الطلب الاستهلاكي، ما يعكس مسار التعافي الاقتصادي.
دعم موجّه للفئات الأكثر ضعفاً
ويشير محمد إلى ضرورة أن تنظر الحكومة في تطبيق دعم موجّه للفئات الضعيفة، مثل إعانات النقل للطلاب والموظفين ذوي الدخل المنخفض، وإلا فإن ارتفاع تكاليف النقل سيضعف أكثر الفعالية الحقيقية لزيادات الأجور، بل يؤدي إلى ظهور فخ الركود، حيث كلما عملت أكثر، لم يتبق لديك شيء.









