المزيد

‫آخر الأخبار:‬

«أغداً ألقاك».. حكاية القصيدة التي اختزلت مسيرة الهادي آدم بصوت أم كلثوم

‫شارك على:‬
20

ارتبط اسم الشاعر السوداني الهادي آدم بقصيدة «أغداً ألقاك» التي اختارتها أم كلثوم، ولحنها الموسيقار محمد عبد الوهاب، لتتحول مع مرور السنوات إلى واحدة من أشهر الأغنيات العربية وأكثرها رسوخاً في الذاكرة.

ورغم أن أم كلثوم اعتادت التنويع في اختياراتها الشعرية، والغناء لكبار الشعراء العرب من بلدان مختلفة، فإن تجربتها مع الهادي آدم بقيت محصورة في قصيدة واحدة، لكنها كانت كافية لأن تجعل اسمه حاضراً في وجدان أجيال متعاقبة، حتى غدا كثيرون يختصرون تجربته الشعرية الواسعة في هذه الأغنية وحدها.

كانت القصيدة في الأصل بعنوان «الغد»، وظهرت ضمن ديوان «كوخ الأشواق» الذي نشره الهادي آدم في القاهرة عام 1962، قبل أن تعاد طباعته في بيروت عام 1964، ومع وصول القصيدة إلى أم كلثوم، طرأت عليها بعض التعديلات الفنية والصياغية، ليتحول عنوانها إلى «أغداً ألقاك»، وتصبح لاحقاً من العلامات البارزة في مسيرة كوكب الشرق.

وتحكي الرواية الأكثر تداولاً أن القصيدة ولدت من تجربة عاطفية عاشها الشاعر خلال دراسته في مصر، فقد أحب فتاة مصرية كانت تدرس معه في الجامعة، وتطلع إلى الزواج منها بعد تخرجه، إلا أن والدها رفض ارتباطهما، رغم محاولات الوساطة التي قام بها عدد من المقربين.

عاد الهادي آدم إلى السودان حاملاً حزنه، وانعزل فترة عن الناس، وقيل إنه كان يجلس تحت شجرة يبث إليها شجونه وآلامه، وبعد فترة وصلته رسالة تحمل خبراً طال انتظاره: “والد الفتاة وافق أخيراً على الزواج”.

وتقول الحكاية إن الشاعر غمرته الفرحة، وأخذ يستعد للعودة إلى القاهرة، وفي تلك اللحظات كتب قصيدته التي تبدأ بسؤال يحمل كل ذلك الشوق والانتظار: «أغداً ألقاك؟».
لكن هذه الرواية اختلطت على مر السنوات بالكثير من التفاصيل غير الدقيقة، وتحولت إلى ما يشبه الأسطورة الأدبية المحيطة بالقصيدة، ففي عام 1968، زارت أم كلثوم السودان،

في زيارة حظيت باستقبال شعبي ورسمي واسع، وقدّمت حفلاتها في الخرطوم وسط احتفاء كبير، وارتدت خلال الزيارة الثوب السوداني التقليدي، في مشهد وثقته الصحافة والمجلات المصرية في ذلك الوقت.

وبعد عودتها إلى القاهرة، بدأت رحلة البحث عن قصيدة لشاعر سوداني تقدمها بصوتها، تقديراً للاستقبال الذي حظيت به في السودان، وتعددت الروايات بشأن الشخص الذي قدّم لها قصائد الهادي آدم، إلا أن النتيجة كانت وصول قصيدة «الغد» إلى كوكب الشرق، التي رأت فيها قيمة شعرية تستحق أن تتحول إلى أغنية.

كان الهادي آدم قد عرض القصيدة على الموسيقار محمد عبد الوهاب، الذي تولى تلحينها، كما خضعت بعض أبياتها لتعديلات وصياغات جديدة بما يتناسب مع اللحن والأداء الغنائي.

وكان من المفترض أن ترى «أغداً ألقاك» النور في وقت أبكر، إلا أن الظروف حالت دون ذلك، وأُجّل تقديمها حتى عام 1971، حين غنتها أم كلثوم على أحد مسارح القاهرة، بحضور الشاعر الهادي آدم.

وهكذا انتقلت القصيدة من صفحات ديوان شعري إلى جمهور عربي واسع، ومن تجربة شخصية عاشها شاعر سوداني إلى أغنية بصوت واحدة من أهم مطربات القرن العشرين.
مع انتشار الأغنية، ظهرت روايات عديدة حول قصتها، بعضها ذهب إلى أن الشاعر كتبها بعدما فشل في الزواج من محبوبته، وأن الحزن أنهكه حتى توفي قبل أن يلتقيها مجدداً، لكنها لا تتفق مع الوقائع المعروفة عن حياة الهادي آدم، الذي كان حاضراً بنفسه في مراحل إعداد القصيدة وتلحينها وغنائها، وشهد تقديمها بصوت أم كلثوم.

كما أن الربط بين عنوان القصيدة وبين لقاء الشاعر بأم كلثوم غير صحيح؛ فالقصيدة كانت منشورة قبل زيارة أم كلثوم للسودان بسنوات، ولم تُكتب أصلاً من أجل لقائها.

ولا يمكن إنكار أن أم كلثوم منحت القصيدة حياة جديدة، فصوتها، ولحن محمد عبد الوهاب، والكلمات التي صاغها الهادي آدم، اجتمعت لتصنع عملاً تجاوز حدود المناسبة التي كتبت من أجلها.

ولم يكن الهادي آدم شاعراً عابراً في المشهد الأدبي السوداني والعربي، فقد درس اللغة العربية وآدابها في كلية دار العلوم، وحصل على دراسات عليا في التربية، وعمل معلماً في وزارة التعليم السودانية، إلى جانب نشاطه الأدبي الذي أثمر عدداً من القصائد والدواوين.

وقد ترك الهادي آدم، الذي توفي عام 2006، إنتاجاً شعرياً واسعاً، إلا أن «أغداً ألقاك» بقيت العمل الأكثر التصاقاً باسمه.